ابن المقفع
17
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
أما عيسى فكان والي كرمان ، إحدى مقاطعات فارس . . . وأما إسماعيل فكان يتولى مقاطعة الأهواز ، ثم بلاد الموصل ، وكان ابن المقفع يؤدّب له أولاده . . . وأما سليمان فكان على البصرة قبل أن يخلعه المنصور ليولّي سفيان بن معاوية بن يزيد الذي أنفذ إرادة أبي جعفر وأودى بابن المقفّع وهو في مقتبل العمر والشهرة ، لا يتجاوز السادسة والثلاثين ، لا سيما وأنه كان حانقا على سفيان ، وكان يستخف بقدره ، ويمعن في التندّر عليه « 1 » . * شخصيته الأخلاقية جمع ابن المقفع - إلى الذكاء الحادّ والثقافة المتعددة الآفاق - خلقا كريما وصفات نبيلة كشف هو عنها في الجانب الأبرز من سيرته ، ودعا إليها في أدبه ومعطيات فكره ، وأطراها الدارسون في القديم والحديث : اشتهر بالكرم والإيثار ، والحفاظ على الصديق والوفاء للصحب ، والتشدّد في الخلق وصيانة النفس . حدّث عنه الجهشياري « 2 » فقال : « كان سريا سخيّا يطعم الطعام ويتسع على كل من احتاج إليه . وكان قد أفاد من الكتابة لداود بن عمر مالا ، فكان يجري على جماعة من وجوه أهل البصرة والكوفة ما بين الخمسمائة إلى الألفين في كل شهر » . وجاء في « محاضرات الأدباء » للأصفهاني ، أن سعيد بن مسلم قال : قصدت الكوفة ، فرأيت ابن المقفع فرحب بي ، وقال : ما تصنع هنا ؟ فقلت : ركبني دين . فقال : هل رأيت أحدا ؟ قلت : رأيت ابن شبرمة فوعدني أن أكون مربيّا لبعض أولاد الخاصّة ، فقال : أف ! أيجعلك مؤدّبا في آخر عمرك ؟ أين منزلك ؟ فعرّفته . فأتاني في اليوم الثاني ، وأنا مشغول بقوم يقرءون عليّ ، فوضع بين يديّ منديلا فإذا فيه أسورة مكسورة ، ودراهم متفرقة مقدار أربعة آلاف درهم ، فأخذت ذلك ورجعت إلى البصرة واستعنت به » « 3 » .
--> ( 1 ) كان سفيان بن معاوية ذا أنف طويل ، وكان ابن المقفّع إذا دخل على سفيان يقول : السلام عليكما . وروي أن ابن المقفع سمع سفيان يقول : « ما ندمت على سكوتي قطّ ، فقال له : الخرس زين لك ، فكيف تندم عليه » . وهناك غير هذا من وجوه تندر ابن المقفع بسفيان هذا . ( 2 ) الجهشياري : الوزراء والكتاب ص 117 . ( 3 ) الأصفهاني محاضرات الأدباء ج 1 ص 29 - ضحى الإسلام ، الجزء الأول .