ابن المقفع
150
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
السّوابق والباقين من أهل المآثر وأهل البلاء والغناء بالعدل أو بما يخال فيه عليهم . فإنّ أحق المظالم بتعجيل الرّفع والتغيير ما كان ضرّه عائبا ، وكان للسلطان شائنا ثم لم يكن في رفعه مئونة ولا شغب ولا توغير « 1 » لصدور عامّة ولا للقسوة والإضرار سبب . ولصحابة أمير المؤمنين أكرمه اللّه مزية وفضل ، وهي مكرمة سنية حرية أن تكون شرفا لأهلها وحسبا لأعقابهم وحقيقة « 2 » أن تصان وتحظر ولا يكون فيها إلا رجل بدر بخصلة من الخصال . أو رجل له عند أمير المؤمنين خاصة بقرابة أو بلاء . أو رجل يكون شرفه ورأيه وعمله أهلا لمجلس أمير المؤمنين وحديثه ومشورته . أو صاحب نجدة « 3 » يعرف بها ويستعدّ لها يجمع مع نجدته حسبا وعفافا فيرفع من الجند إلى الصحابة . أو رجل فقيه مصلح يوضع بين أظهر النّاس لينتفعوا بصلاحه وفقهه . أو رجل شريف لا يفسد نفسه ، أو غيرها فأما من يتوسل بالشّفاعات فإنّه يكتفي أو يكتفى له بالمعروف والبرّ في ما لا يهجن رأيا ولا يزيل أمرا عن مرتبته . ثم تكون تلك الصحابة المخلصة على منازلها ومداخلها لا يكون للكاتب فيها أمر في رفع رزق ولا وضعه ولا للحاجب في تقديم اذن ولا تأخيره . ومما يذكر به أمير المؤمنين أمر فتيان أهل بيته وبني أبيه وبني علي وبني العباس فإنّ فيهم رجالا لو متعوا بجسام الأمور والأعمال سدّوا « 4 » وجوها وكانوا عدّة لاخرى . ومما يذكر به أمير المؤمنين أمر الأرض والخراج فإن أجسم ذلك وأعظمه خطرا وأشدّه مئونة وأقربه من الضّياع ما بين سهله وجبله ليس لها تفسير على الرساتيق والقرى .
--> ( 1 ) توغير الصدور : تجييشها بالغيظ والضغينة . ( 2 ) حقيقة : جديرة . ( 3 ) النجدة : الحميّة ، والمروءة . ( 4 ) سدّوا وجوها : أغلقوها ، منعوا التوجه .