ابن المقفع
139
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
للأمر وأعزّ للسلطان وأقمع للمخالف ، وأرضى للموافق وأثبت للعذر عند اللّه عزّ وجلّ . فإنّا قد سمعنا فريقا من النّاس يقولون : لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق . بنوا قولهم هذا بناء معوجّا فقالوا : إن أمرنا الإمام بمعصية اللّه فهو أهل أن يعصى . . وإن أمرنا الإمام بطاعة اللّه فهو أهل أن يطاع . فإذا كان الإمام يعصى في المعصية وكان غير الإمام يطاع في الطاعة فالإمام ومن سواه على حقّ الطاعة سواء . وهذا قول معلوم يجده الشيطان ذريعة « 1 » إلى خلع الطاعة والذي فيه أمنيته لئلا يكون للناس نظائر ولا يقوم بأمرهم إمام ولا يكون على عدوّهم منهم ثقل . سمعنا آخرين يقولون . . بل نطيع الأئمة في كلّ أمورنا ولا نفتش عن طاعة اللّه ولا معصيته ، ولا يكون أحد منّا عليهم حسيبا . . . . هم ولاة الأمر وأهل العلم ونحن الأتباع وعلينا الطاعة والتسليم . وليس هذا القول بأقلّ ضررا في توهين « 2 » السّلطان وتهجين « 3 » الطّاعة من القول الذي قبله ، لأنه ينتهي إلى الفظيع المتفاحش من الأمر في استحلال معصية اللّه جهارا صراحا . وقال أهل الفضل والصّواب : قد أصاب الذين قالوا : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولم يصيبوا في تعطيلهم طاعة الأئمة وتسخيفهم إيّاها ، وأصاب الذين أقرّوا بطاعة الأئمة لما حقّقوا منها ، ولم يصيبوا في ما أبهموا من ذلك في الأمور كلّها . . فأمّا إقرارنا فإنّه لا يطاع الإمام في معصية اللّه فإنّ ذلك في عزائم الفرائض والحدود التي لم يجعل اللّه لأحد عليها سلطانا . ولو أنّ الإمام نهى
--> ( 1 ) الذريعة : الحجة والوسيلة ، السبب . ( 2 ) توهين السلطان : إضعاف مركزه وهيبته . ( 3 ) تهجين الطاعة : جعلها قبيحة ومعابة .