ابن المقفع

136

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

وأن يرضى ممّن آوى بالمتاع به وقضاء حاجة النّفس منه . وأكرم اللّه أمير المؤمنين باستهانة ذلك واستصغاره إيّاه ، وذلك من أبين علامات السعادة وأنجح الأعوان على الخير . . وقد قصّ اللّه عزّ وجلّ علينا من نبأ يوسف بن يعقوب أنّه لما تمّت نعمة اللّه عليه ، واتاه الملك وعلّمه من تأويل الأحاديث وجمع له شمله وأقرّ عينه بأبويه وإخوته . . أثنى على اللّه عزّ وجلّ بنعمته . . ثم سلا عمّا كان فيه وعرف أن الموت وما بعده هو أولى ، فقال : توفني مسلما وألحقني بالصّالحين . 3 - وفي الذي قد عرفنا من طريقة أمير المؤمنين ما يشجّع ذا الرأي على مبادرته « 1 » بالخبر في ما ظنّ أنّه لم يبلّغه إياه غيره ، وبالتّذكير بما قد انتهى إليه ولا يزيد صاحب الرأي على أن يكون مخبرا ومذكّرا . وكلّ عند أمير المؤمنين مقبول إن شاء اللّه مع أنّ ممّا يزيد ذوي الألباب نشاطا إلى إعمال الرأي في ما يصلح اللّه به الأمة في يومها أو غابر دهرها الذي أصبحوا قد طمعوا فيه . 4 - ولعلّ ذلك أن يكون على يدي أمير المؤمنين فإنّ مع الطمع الجدّ ومع اليأس القنوط « 2 » . وقلّما ضعف الرجاء إلا ذهب الرخاء . وطلب المويّس عجز وطلب الطامع حزم . ولم ندرك النّاس نحن وآباؤنا إلا وهم يرون فيها خلالا يقطع الرأي ويمسك بالأفواه من حال وال لم يهمه الإصلاح أو أهمّه ذلك ولم يثق فيه بفضل رأي ، أو كان ذا رأي ليس مع رأيه صول بصرامة أو حزم . أو كان ذلك استئثارا « 3 » منه على النّاس بنشب أو قلّة تقدّم لما يجمع أو يقسم .

--> ( 1 ) المبادرة : الإسراع . ( 2 ) القنوط : اليأس ، وانقطاع الرجاء . ( 3 ) الاستئثار : مصدر استأثر بالشيء انفرد به وحرم الآخرين منه .