ابن المقفع

129

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

13 - والفقر داعية إلى صاحبه مقت « 1 » الناس ، وهو مسلبة للعقل والمروءة ومذهبة للعلم والأدب ومعدن للتهمة ومجمعة للبلايا . * ومن نزل به الفقر والفاقة لم يجد بدّا من ترك الحياء ومن ذهب حياؤه ذهب سروره ، ومن ذهب سروره مقت ، ومن مقت أوذي ، ومن أوذي حزن ، ومن حزن ذهب عقله واستنكر حفظه وفهمه ، ومن أصيب في عقله وفهمه وحفظه كان أكثر قوله وعمله في ما يكون عليه لا له . * فإذا افتقر الرجل اتهمه من كان له مؤتمنا وأساء به الظن من كان يظنّ به حسنا فإن أذنب غيره أظنّوه ، وإن كان للتّهمة وسوء الظنّ موضعا . وليس خلة هي للغني مدح إلّا وهي للفقير عيبا . فإن كان شجاعا سمّي أهوج « 2 » وإن كان جوادا سمّي مفسدا . وإن كان حليما سمّي ضعيفا . وإن كان وقورا سمّي بليدا . وإن كان لسنا سمّي مهذارا « 3 » . وإن كان صموتا سمّي عييا . 14 - وكان يقال : من ابتلي بمرض في جسده لا يفارقه أو بفراق الأحبّة والإخوان أو بالغربة حيث لا يعرف مبيتا ولا مقيلا « 4 » ولا يرجو إيابا ، أو بفاقة تضطره إلى المسألة « 5 » فالحياة له موت والموت له راحة . * وجدنا البلايا في الدّنيا إنّما يسوقها إلى أهلها الحرص والشره فلا يزال صاحب الدنيا ينقلب في بلية وتعب لأنّه لا يزال بخلة الحرص والشره .

--> ( 1 ) المقت : الكره . ( 2 ) الأهوج : ذو الطّيش والتسرّع . ( 3 ) المهذار : الذي يخلط في كلامه ويهذي والهذر الكلام الباطل الذي يكثر فيه الخطأ . ( 4 ) المقيل : موضع القيلولة ، والنوم والاستراحة في الظهيرة . ( 5 ) المسألة : الحاجة ، المطلب .