ابن المقفع

106

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

غناء وخفض « 1 » ولكن موضع فاقة وكدّ ، ولسنا إلى ما يمسك بأرماقنا « 2 » من المطعم والمشرب بأحوج منّا إلى ما يثبت عقولنا من الأدب الذي به تفاوت العقول . وليس غذاء الطّعام بأسرع في نبات الجسد من غذاء الأدب في نبات العقل . ولسنا بالكدّ في طلب المتاع الذي يلتمس به دفع الضرّ والعيّلة بأحقّ منا بالكدّ في طلب العلم الذي يلتمس به صلاح الدّين والدّنيا . وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام النّاس المحفوظ حروفا فيها عون على عمارة القلوب وصقالها « 3 » وتجلية « 4 » أبصارها ، وإحياء للتفكير وإقامة للتدبير ودليل على محامد الأمور ومكارم الأخلاق إن شاء اللّه . * 1 - الواصفون أكثر من العارفين ، والعارفون أكثر من الفاعلين . فلينظر امرؤ أين يضع نفسه فإنّ لكلّ امرئ لم تدخل عليه آفة نصيبا من اللبّ يعيش به لا يحب أنّ له به من الدّنيا ثمنا . وليس كلّ ذي نصيب من اللبّ بمستوجب أن يسمّى في ذوي الألباب ولا أن يوصف بصفاتهم . فمن رام أن يجعل نفسه لذلك الاسم والوصف أهلا فليأخذ له عتاده وليعدّ له طول أيامه وليؤثر على أهوائه فإنّه قد رام أمرا جسيما لا يصلح على الغفلة ولا يدرك بالمعجزة ولا يصير على الأثرة « 5 » ، وليس كسائر أمور الدّنيا وسلطانها ومالها وزينتها التي قد يدرك منها المتواني ما يفوت المثابر ويصيب منها العاجز ما يخطئ الحازم . 2 - وليعلم أنّ على العاقل أمورا إذا ضيّعها حكم عليه عقله بمقارنة الجهّال .

--> ( 1 ) الخفض : خفض العيش : العيش الرغيد . ( 2 ) الأرماق : جمع رمق وهو بقيّة الحياة . ( 3 ) الصقال : الصقل ، وهو كشف الصدأ ، وصقال القلوب من باب المجاز أي توعيتها بمكارم الأخلاق . ( 4 ) تجلية الأبصار : صقلها . ( 5 ) الأثرة : الأنانية ، حبّ الذات .