القاضي التنوخي
246
الفرج بعد الشدة
سنة . قلت هذه الدار لمن ؟ قال لابن داية أمير المؤمنين وهو الآن صاحب جهبذة وصاحب بيت ماله . فقلت بمن يعرف ؟ قال بابن فلان الصيرفي فسماني . فقلت : هذه الدار من باعها عليه قال هذه دار أبيه . فقلت وهل يعيش أبوه ؟ قال : لا . قلت أفتعرف عن حديثهم شيئا ؟ قال : نعم . حدثت أن هذا الرجل كان صيرفيا جليلا وافتقر وأن أم هذا الفتى ضربها الطلق فخرج أبوه يطلب لها شيئا ففقد وهلك . فقال أبى : فجاءني رسول أم هذا الغلام تستغيث بي فقمت لها بحوائج الولادة . ودفعت لها عشرة دراهم فما أنفقتها حتى قيل قد ولد لأمير المؤمنين الرشيد مولود وقد عرض عليه جميع المراضع فلم يقبل ثديهن ، وقد طلب له الحراير فجاؤه بغير واحدة فما أخذ ثدي واحدة منهن وهم في طلب مرضع فأرشدت الذي طلب الداية إلى أم هذا ، فحملت إلى دار الرشيد وحين وضع فم الصبي على ثديها قبله فأرضعته . وكان الصبي هو المأمون وصارت عندهم في حالة جليلة ، ووصل إليها منهم خير عظيم . ثم خرج المأمون إلى خراسان فخرجت هذه المرأة وابنها هذا معهم ولم يعرف أخبارهم إلا منذ قريب لما عاد المأمون وعادت حاشيته ، وقد رأينا هذا قد جاء رجلا وأنا لم أكن رأيته قط . وقد كان أبى قد مات فقالوا : هذا ابن فلان الصيرفي وابن مرضعة الخليفة فبنى هذه الدار وسواها . فقلت له : أفعندك علم من أمه أهي حية أم ميتة ؟ فقال : هي حية تمضى إلى دار الخليفة أياما وتكون عند ابنها أياما وهي الآن هنا . فحمدت الله على هذه الحالة وجئت حتى دخلت الدار مع الناس فرأيت الصحن في نهاية العمارة والحسن ، وفيه مجالس كثيرة مفروشة بفرش ظاهرة ، وفى صدره رجل شاب بين يديه كتاب وجهابذة وحساب يستوفيه عليهم ، وفى ضفاف الدار ومجالسها جهابذة بين أيديهم الأموال والتخوت والشواهين ، يقبضون ويقبضون ، وبصرت بالفتى فرأيت شبهي فيه . فعلمت أنه ابني فجلست في غمار الناس إلى أن لم يبق في المجلس غيري فأقبل إلى فقال : يا شيخ هل من حاجة تقولها ؟ قلت : نعم ، ولكنها لا يجوز أن يسمعها غيرك . ثم أومأ إلى غلمان كانوا قياما حوله فانصرفوا فقال : قل أعزك الله . قلت أنا أبوك . فلما سمع ذلك تغير وجهه ولم يكلمني