القاضي التنوخي
236
الفرج بعد الشدة
وأخذ غير الطريق الذي بلغه أن الكاتب سلكه وخلف كاتبه لرفع الحساب فلما شارف الناحية خرج إليه الكاتب المعزول ولقيه وسأله عن صاحبه . فلما أعلمه بشخوصه إلى دار السلام أنكر ذلك فقال له : الكاتب المعزول مل بنا إلى موضع نجلس فيه نتحدث ونرى رأيك فمالا ونزلا وطرح لهما ما جلسا عليه فقال : أعزك الله لا تنكر انصراف صاحبي فإنه رجل كبير المقدار وأخاف من مهانة تلحقه فشخص إلى دار السلام ، وقد خلف قبلي مائة ألف درهم فاقبض ذلك وأكتب لنا كتابا بإزاحة علته وانفصال ما بيننا وبينك ، ونحن ننصب لك من يرفع الحساب رفع من لا يغيب ولا يستعصى عليه . فقبل كاتب الوالي ذلك ، وركبا وقد زال الخلاف بينهما إلى تقبيض تلك الأشياء النفيسة لنفسه ولصاحبه ، وكتب الكاتب الرشيد بإزاحة علته ، وانفصال ما بينهم وبينه ، وخرج الكاتب لاحقا لصاحبه ، وخلف من يسلم الحساب ، فاتصل ظاهر الخبر بالهاشمي الوالي فكتب إلى كاتبه ينكر عليه فكتب إليه إني قد بلغت من الامر مبلغا مرضيا إذا وقفت عليه . فلما صار إلى الناحية عرفه ما جرى فحسن موقعه منه وتبرك به ، وغلب على عقله فكسب مالا عظيما فلما مضت عليه ثلاث سنين صرف الهاشمي وخلفه الذي كان قبله واليا ، وبلغ الهاشمي الخبر . فقال لكاتبه ما الرأي ؟ فقال : نفعل به مثل ما فعل بنا ، وأقيم أنا ومعي مثل ما كان أعطانا فأعطيه إياه ، وآخذ كتابه بانفصال ما بيننا وبينه والحق بك . ففعل ووافى الكاتب الذي كان مصروفا فتلقاه الكاتب في الموضع الذي كانا التقيا فيه في مبدأ الامر فعدلا ونزلا وعرض عليه ما خلفه صاحبه له وسأله قبول ذلك ، والكتابة بمثل ما كان كتب له إلى الرشيد . فامتنع من قبول ذلك ، وكتب له بانفصال ما بينهما إلى الرشيد كتابا وكيدا وقال : أراك رجلا فاضلا فطنا ، وأرى صاحبك عاقلا ، وقبول هذا لا يكون مكافأة له بل يكون كأنه بيع له وشراء منه . ولكن قد تذكرت أمرا أجمع لنا ولكم من هذا . قال ما هو ؟ قال اعقد بيننا وبين صاحبك صهرا ونكون إخوة وأصدقاء . قال : فعل الله بك وصنع فما في الدنيا أكرم ولاية منك . فعقد بينهما الصهرين وسارا إلى مقصدهما