القاضي التنوخي
415
الفرج بعد الشدة
عيشي بها طيبا مدة طويلة ثم جرى بيني وبينها بعض ما يجرى بين الناس فغضبت على وهجرتني وأغلقت باب حجرتها من الدار دوني ومنعتني الدخول إليها وراسلتني بأن أطلقها فترضيتها بكل ما يمكنني فلم ترض ووسطت بيننا أهلها من النساء فلم ينجع فلحقني الكرب والغم والقلق والجزع حتى كاد يذهب بعقلي وهي مقيمة على حالها فجئت إلى باب حجرتها وجلست عنده مفترشا الترات ووضعت خدى على العتبة أبكى وانتحب واتلافاها واسألها الرضا وأقول كلما يجوز أن يقال في مثل هذا وهي لا تكلمني ولا تفتح الباب ولا تراسلني ثم جاء الليل فتوسدت العتبة إلى أن أصبحت وأقمت على ذلك ثلاثة أيام بلياليها وهي مقيمة على الهجران فآيست منها وعزلت نفسي ووبختها ورضيتها على الصبر وقمت من باب حجرتها عاملا على التشاغل عنها ومضيت إلى حمام في داري فأمطت عن جسدي الوسخ الذي كان لحقه وجلست لاغير ثيابي وأتبخر فإذا بزوجتي قد خرجت إلى وجواريها المغنيات حواليها بآلاتهن يغنين ومع بعضهن طبق فيه أوساط وسنوسج وماء ورد وما أشبه ذلك فحين رأيتها استطرت فرحا وقمت إليها وأكبيت على يديها ورجليها وقلت ما هذا يا ستي ؟ فقالت : تعال حتى نأكل ونشرب ودع السؤال وجلست وقدم الطبق فأكلنا جميعا ثم جئ بالشراب واندفع الجواري بالغناء وأخذنا في الشراب وقد كاد عقلي يزول سرورا فلما توسطنا أمرنا قلت لها يا ستي : أنت هجرتيني بغير ذنب كبير أوجب ما بلغته من الهجران وترضيتك بكل ما في المقدرة فما رضيت ثم تفضلت اسداء بالرجوع إلى وصالي بما لم تبلغه أمالي فعرفيني ما سبب هذا ؟ قالت : كان الامر في سبب الهجر ضعيفا كما قلت ولكن تداخلني في التجنى ما يتداخل المحبوب ثم استمر بي اللجاج وأراني الشيطان الصواب فيما فعلته فأقمت على ما رأيته فلما كان الساعة أخذت دفترا كان بين يدي وتصفحته فوقعت عيني على قول الشاعر . الدهر أقصر مدة * من أن يضيع في الحساب فتغتنم ساعاته * فمرورها مر السحاب قالت : فعلمت أنها عظة لي وأن سبيلي ان لا أسخط الله عز وجل بإسخاط