القاضي التنوخي

406

الفرج بعد الشدة

خرجوا عنى لم ألبث إلا يسيرا ، فإذا بأم جيداء قد دخلت على تكلمني وتزبرني . فلزمت الصمت والبكاء فقالت يا بنيتي : اتق الله وأطيعي زوجك أما الأشتر فلا سبيل لك إليه ، وأنا أبعث إليك أختك الليلة . ثم مضت وبعثت إلى الجارية فجعلت تكلمني وتدعو على من ضربني وتبكى وأنا ساكت ثم اضطجعت إلى جنبي فشددت يدي على فمها وقلت : يا جارية ان أختك مع الأشتر ، وقد قطع ظهري بسببها ، وأنت أولى بسترها منى وإن تكلمت بكلمة فضحتيها ، وأنا لست أبالي . فاهتزت مثل القضيب فزعا ثم ضحكت . وباتت معي أظرف الناس ، ولم نزل نتحدث حتى برق الفجر . ثم خرجت وجئت إلى أصحابي فقالت جيداء : ما الخبر ؟ فقلت : سلى أختك عنه فلعمري أنها عالمة به ، ودفعت إليها ثيابها وأريتها ظهري . فبكت وجزعت ومضت مسرعة وجعل الأشتر يبكى وأنا أحدثه وارتحلنا . عن بعضهم قال : حضرت في دعوة عند صديق لي من البزازين ، كان مشهورا . فقدم إليه في جملة طعامه داجيراجه فلم يأكلها فامتنعنا من أكلها . فقال : أحب أن تأكلوا وتعفوني من أكلها . فلم ندعه حتى أكل فلما غسلنا أيدينا انفرد يغسل يديه ، ووقف غلام يعد عليه حتى قال : لقد غسلت يدك أربعين مرة . فقطع الغسل فقلنا : ما سبب هذا ؟ فامتنع فألححنا عليه فقال : مات أبى وسني نحو العشرين سنة وخلف على حالا ضعيفة ، وأوصاني قبل موته بقضاء ديونه ، وملازمة السوق وأن أكون أول داخل إليها وآخر من يخرج منها فرأيت في ذلك منافع كثيرة وبينما أنا جالس ذات يوم ، ولم يتكامل السوق إذ بامرأة راكبة حمارا على كفله منديل ديبقي ، وخادم يمسك العنان فنزلت عندي فقمت إليها ولزمتها وسألتها عن حاجتها فطلبت شيئا من الثياب ذكرته ، فسمعت منها أحسن نغمة ، ورأيت وجها لم أر أحسن منه قط . فذهب على أمرى وهمت بها في الحال . فقلت : تصبري حتى يتكامل السوق وآخذ لك ما تريدين . فأجابت ، وأخذت تحادثني ، وأنا كدت أن أموت عشقا وخرج الناس فأخذت لها ما أرادت فجمعته وركبت ، ولم تخاطبني في ثمنه