القاضي التنوخي

384

الفرج بعد الشدة

وائتناسه بملازمتي وافتقاده بالدعوات ففعلت فكنا متلازمين لا نفترق ووجدته أحلى الناس حديثا وأحسنهم أدبا وأتمهم عقلا ولم أر قط أشد تغزلا ولا تهالكا في العشق منه فحدثني يوما قال عشقت مغنية في القيان عشقا مبرحا شديد فراسلت مولاتها في بيعها منى فطلبت فيها ثلاثة آلاف دينار وكنت أعرف من نفسي الملل فخشيت أن اشتريتها ان أملها فدافعت بذلك ومضت أيام فانصرفت من عندي يوما وقد كان المقتدر بالله أمر أن يشترى له مغنيات وأنا لا أعلم فكانت الجارية حسنة الوجه والغنا فحملت إلى المقتدر في جملة جوار فأمر بشرائهن كلهن فاشتريت في جملتهن وأنفذت من غد أستدعيها من مولاتها فأخبرت بالخبر فقامت على القيامة ودخل على قلبي من الأحزان أمر ما دخل مثله على قط من نكبة فضلا عن عشق وزاد الامر على حتى انتهى بي إلى حد الوسواس وامتنعت عن النظر في أمر داري وتشاغلت بالبكاء ولم يكن لي سبيل إلى الغراء وكنت أكتب حينئذ لام المتقى وله وكان حدثا فتأخرت عنهما أياما وأخللت بأمرهما وأنا متوفر تلك الأيام على الطوالي في الصحارى ولا آكل ولا أشرب ولا أتشاغل بأكثر من الهيمان وأنكر المتقى وأمه أمرى لتأخري فاستدعاني وخاطبني في شئ من أمرى فوجدني لا أعى ما يقوله فسألني عن سبب اختلاطي فصدقته وبكيت بين يديه وسألته أن يسأل إباه بيع الجارية على أو هبتها . فقال : ما أجسر على هذا قال فزاد على الامر وبطلت وبلغ أم المتقى الخبر وراسلتها بما سألت به ابنها فرقت لي وحملت نفسها ان خاطبت أم المقتدر في أمرى فقالت لها السيدة ما العجب من الرجل فإن الذي في قلبه من العشق أعماه عن وجه الرأي إنما العجب منك كيف وقع لك أنه يجوز أن تقول للخليفة أنزل عن جاريتك لرجل يعشقها فراسلتني أم المتقى بما جرى فزاد ما بي من القلق وكنت لا ألقى أحدا من رؤساء البلد كالوزير ونصر القسوري وحاشية الخليفة إلا وأقصدهم وأبكى بين أيديهم وأحدثهم حديثي واسألهم مسألة الخليفة تسليم الجارية إلى ببيع أو هبة فمنهم من ينكر على ومنهم من يوبخني ومنهم من يرثى لي فيعذرني ومنهم من يقول : إن عم الخليفة هذا منك وانك تتعرض لخدمه فإن فيه تلف