الشيخ الصدوق
388
من لا يحضره الفقيه
ابيضت الوجوه ، وبالكلام اسودت الوجوه ، واعلم أن الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به فإذا تكلمت به صرت في وثاقه ، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك ورقك ، فإن اللسان كلب عقور فإن أنت خليته عقر ، ورب كلمة سلبت نعمة ، من سيب عذاره ( 1 ) قاده إلى كل كريهة وفضيحة ، ثم لم يخلص من دهره إلا على مقت من الله عز وجل وذم من الناس ( 2 ) . قد خاطر بنفسه من استغنى برأيه ( 3 ) ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ ، من تورط في الأمور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفظعات النوائب ( 4 ) ، والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم ، والعاقل من وعظته التجارب ، وفي التجارب علم مستأنف ، وفي تقلب الأحوال علم جواهر الرجال ( 5 ) ، الأيام تهتك لك عن السرائر الكامنة ، تفهم وصيتي هذه ولا تذهبن عنك صفحا ( 6 ) فإن خير القول ما نفع .
--> ( 1 ) أي أرسل نفسه بلا لجام الدين والعقل ولم يقيد بأحكامهما من الأوامر والنواهي ، والمذار من الفرس كالعارض من الانسان ، وسمى اللجام عذارا تسمية باسم موضعه وهو كناية عن العنان ، ولعل الضمير في " عذاره " للسان . ( 2 ) لم يخلص من دهره كناية عن الموت ، وفي بعض النسخ : " لم يتخلص دهره " وفي بعضها " لم يتخلص من وهدة " ، والمقت : البغض والعداوة . ( 3 ) خاطر بنفسه أي أوقع نفسه في الخطر . ( 4 ) المفظع : الشنيع والصعب ، والنوائب جمع نائبة وهي المصيبة والحادثة ومفظعات والطاء المهملة فيمكن حينئذ أن يقرء بفتح الطاء من قبيل قوله عز وجل " قطعت لهم ثياب من نار " وأن يقرء بكسر الطاء أي النوائب المقطعة للأوصال . ( 5 ) أي في العسر والانتقال من الشدة إلى الرخاء ومن الرخاء إلى الشدة والصحة والمرض يعرف الكمال والنقص باعتبار الاستقامة وعدمها . ( 6 ) الهتك : حرق الستر عما وراءه ، و " صفحا " مفعول له أو حال من فاعل " تذهبن " أي بأن تعرض عنها بصفحة وجه قلبك ، وقوله " فان خير القول - الخ " تعليل للنهي عن الاعراض عن النصيحة فإنها حينئذ تضيع حيث لا تنفع فلا يكون فيه خير بالنسبة إلى المنصوح .