صبحي الصالح

93

مباحث في علوم القرآن

يحدد - عن طريق هذه الروايات المختلفة - البواعث التي حملت أبا الأسود على نقط القرآن ، فلا نعرف هل اندفع من تلقاء نفسه أم استجاب لأمر لم يفكر فيه من قبل ، ولا نعرف كنه العمل الذي قام به ، ولكننا لا نرتاب قط في أنّه قد اضطلع أول الجميع بعبء جسيم ، فهذا هو الحدّ الأدنى مما نطقت به تلك الأخبار والروايات . أما أنّه انفرد وحده بوضع أصول نقط القرآن وشكله فلين منطقيا ولا معقولا ، فما ينهض بمثل هذا فرد بل أفراد ، ولا يبلغ تمامه جيل بل أجيال ، وبحسب أبي الأسود أنّه كان حلقة أولى في سلسلة نقط القرآن وتجويد رسمه « 1 » . وفي هذه السلسلة حلقة أخرى يميل بعض العلماء إلى عدها كذلك حلقة أولى ، حين يرون أن « أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر » « 2 » ، ولا بدّ أن يكون ليحيى عمل في نقط القرآن ، ولكن لا برهان بين أيدينا على أنّه كان حقا أول من نقطه إلا أن يكون المراد أنّه أول من نقط المصاحف بمرو . وتبلغ قصة أوليته هذه ذروتها من الإحكام والحبك حين يزعم ابن خلكان أنّه كان لابن سيرين مصحف منقوط ، نقطه يحيى بن يعمر « 3 » . ومن المعلوم أن ابن سيرين توفي سنة 110 ه ، فقد عرف إذن قبل هذا التاريخ مصحف كامل النقط ، تام الشكل ، بتلك النقط المعوضة للحركات : وهو أمر خطير جدا ليس من السّهل التسليم به « 4 » . وأما نصر بن عاصم الليثي فلا يستبعد أن يكون عمله في نقط القرآن امتدادا لعمل أستاذيه أبي الأسود وابن يعمر ، فإنّه أخذ عنهما كما أسلفنا ، بيد أن أبا أحمد العسكري - في إحدى رواياته الغريبة - يؤكّد أن نصر بن عاصم اضطلع

--> ( 1 ) انظر geschichte des qorantexts , 261 ( cf . blach . , intr . , p . 80 , note 103 ) ( 2 ) المصاحف ص 141 وقال بذلك أيضا هارون بن موسى كما في ( المحكم 5 ) والبخاري كما في ( غاية النهاية 2 / 381 ) . ( 3 ) وفيات الأعيان ط . سنة 1310 ج 2 ص 227 ( وانظر البرهان 1 / 250 ) . ( 4 ) قارن بما يقوله المستشرق بلاشير ( blachere , intr . cor . , 80 )