صبحي الصالح
79
مباحث في علوم القرآن
ينبئنا هذا النص الصحيح بخمسة أمور على جانب عظيم من الأهمية : أولا - إن اختلاف المسلمين في قراءة القرآن كان الباعث الأساسي على أمر عثمان باستنساخ صحف حفصة وجمعها في مصاحف . فلا مستند لبلاشير وغيره من المستشرقين في التشكيك بنيّات عثمان في جمع القرآن ، فمن أين لهم أن هذا الخليفة إنما سعى إلى تحقيق هذا العمل العظيم بدافع من نزعته « الأرستقراطيّة » فلم يجمع كتاب اللّه - بزعمهم - إلا باسم الطبقة « الارستقراطيّة » المكية التي كان خير ممثّل لها « 1 » ؟ ! لا مستند لهم في شيء من هذا إلا خيالهم الخصيب ، وظنهم الكاذب . . . وإلا فأين الرواية التاريخية الصحيحة التي تثبت دعواهم ؟ وهل يفضل عاقل الأخذ بتخرصاتهم على ما أورده رجل كالبخاري ما عرف التاريخ من يضارعه في الثقة والضبط والأمانة ؟ ثانيا - إن اللجنة التي كلفت بهذا العمل كانت رباعيّة « 2 » . وإذا استثنينا زيد بن ثابت الذي كان مدنيّا من الأنصار ، لاحظنا أن الأعضاء الثلاثة الباقين كلهم مكيون من قريش « 3 » . وهؤلاء الأربعة جميعا من
--> ( 1 ) انظر blachere p . 57 ( 2 ) ومن الغريب أن ابن أبي داود ، لشدة ولوعه بايراد الروايات المختلفة في الموضوع الواحد مهما تتضارب ، لا يكتفي بذكر هذه اللجنة الرباعية التي سماها البخاري ، بل يتطوع بتسمية قوائم بلجان أخرى ، منها لجنة ثنائية مؤلفة من زيد بن ثابت وسعيد بن العاص ، ومنها لجنة ثنتا عشرية ( انظر كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 22 ، 24 ، 25 ) . وكان هذا التضارب مادة صالحة للتعليق والتعقيب لدى المستشرق شفالي ( انظر : ( schwally , die sammlung des qorans , ll , 50 sqq ) أما المستشرق بلاشير فلا يكتم استغرابه الشديد من ذكر ابن أبي داود اسم أبي بن كعب في إحدى اللجان مع أن المفروض أنه كان قد توفي قبل سنتين على الأقل . وهذا وهم تاريخي من بلاشير ، لأنه يظن أن هذه اللجنة الناسخة للمصاحف إنما تألفت في حدود سنة 30 ه ( انظر : blachere , intr . au coran 53 في حين أن ابن حجر يقول : « وكان ذلك - أي استنساخ المصاحف - في سنة خمس وعشرين . قال : وغفل بعض من أدركناه فزعم أنه كان في حدود سنة ثلاثين ، ولم يذكر له مستندا » الاتقان 1 / 102 . ( 3 ) وهنا يذهب الخيال الخصيب ببلاشير كل مذهب ، فيسرف في وصف الرهط القرشيين الثلاثة « بالأرستقراطية » ، كما وصف بها عثمان من قبل - وما ندري أي أرستقراطية يعني في ذاك المجتمع الإسلامي الوليد الذي لا تزال تعاليم الدين فيه غضة ! - ويشير بعد ذلك إلى صلات -