صبحي الصالح

53

مباحث في علوم القرآن

جوابه فقال تعالى : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً » يعنون : كما أنزل على من قبله من الرسل ، فأجابهم تعالى بقوله : « كذلك » أي أنزلناه مفرّقا « لنثبت به فؤادك » أي لنقوي به قلبك ، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب ، وأشد عناية بالمرسل إليه ، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه ، وتجدد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز ، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة . ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان « 1 » لكثرة لقياه جبريل » « 2 » . ولقد راع القرآن خيال العرب وأخذ أسماعهم بما فيه من أنباء الرسل مع أقوامهم ، تتكرر بصور مختلفة ، وأساليب متنوعة ، فتزداد حلاوة كلما تكررت ، ولا غرض لها في أكثر المواطن التي ذكرت فيها إلا تثبيت قلب الرسول صلى اللّه عليه وسلم وقلوب المؤمنين . ونطق القرآن بذلك فقال : « وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ » « 3 » : ففي ذكر قصص الرسل ، وتفريقه ، وتنويعه ، تقوية لقلب الرسول صلى اللّه عليه وسلم وعزاء له على ما يلقاه من أذى قومه ، وما كان محمد بدعا من الرسل ، فهم جميعا عذبوا وكذبوا واضطهدوا « حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ : مَتى نَصْرُ اللَّهِ » « 4 » . وهكذا ما انفكّ القرآن يتجدد نزوله مهوّنا على الرسول صلى اللّه عليه وسلم الشدائد ، مسليا له مرة بعد مرة ، محببا إليه التأسي بمن قبله من الرسل ، يأمره تارة بالصبر أمرا صريحا فيقول :

--> ( 1 ) يشير إلى حديث متفق عليه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فلرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة » انظر ( رياض الصالحين للنووي باب الجود . . . في شهر رمضان ، ص 454 ) . ( 2 ) الاتقان 1 / 71 والزركشي لا يعزو هذه العبارة إلى أبي شامة كما فعل في العبارة السابقة ( البرهان 1 / 231 ، وراجع الحاشية 2 ص 42 ) وفي عبارة البرهان اختلاف يسير جدا عما في الاتقان . ( 3 ) سورة هود 120 . ( 4 ) سورة البقرة 214 .