صبحي الصالح

37

مباحث في علوم القرآن

فحمي الوحي وتتابع « 1 » . واستبشر النبي وتبدّل انتظاره الحزين فرحه غامرة ، وأيقن أنّ هذا الوحي الذي استعصى عليه ولم يوافه طوع إرادته مستقل عن ذاته خارج عن فكره ، فاستقر في ضميره الواعي أن مصدر هذا الوحي هو اللّه علّام الغيوب . ومن ذا الذي ينسى كيف أبطأ الوحي شهرا كاملا بعد « حديث الإفك » « 2 » الذي رمى به المنافقون بنت الصدّيق بالفاحشة ، وأثاروا به حولها الفضيحة ، حتى عصفت بقلب الرسول الريبة فقال لزوجه أم المؤمنين : يا عائشة ، أما إنه بلغني كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه . وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه » ؟ من ذا الذي لا يدرك أن هذا الشهر الذي تصرّم على الحادثة من غير أن يتلقى النبي خلاله وحيا كان أثقل عليه من سنين طويلة ، بعد أن خاض المنافقون في الصدّيقة المطهّرة خوضا باطلا ؟ فما بال النبي الذي كان فريسة للشك والقلق يظل شهرا كاملا صامتا ينتظر ، واجما يتربص ، حتى نزلت آيات النور تبرئ أم المؤمنين ؟ وما له لا يسرع إلى التدخل في أمر السماء ، فيرتدي مسوح الرهبان ، ويهيئ الأسجاع ، ويطلق البخور ، ويبرئ الصدّيقة من قذف القاذفين ؟ ! ولقد كان النبي يتحرق شوقا إلى تحويل القبلة إلى الكعبة ، وظلّ يقلّب وجهه في السماء ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا « 3 » لعل الوحي ينزل عليه بتحويل القبلة قبل البيت ، ولكن رب القرآن لم ينزل في هذا التحويل

--> ( 1 ) البخاري 65 / 162 . ومن الناس من يظن أن سورة الضحى هي التي نزلت بعد فترة الوحي ، وهو خطأ ظاهر . أما سبب نزول « الضحى » كما ورد في الصحيحين فهو أن النبي صلى اللّه عليه وسلم اشتكى فلم يقم ليلتين أو ثلاثا لتهجده ، فقالت له أم جميل امرأة أبي لهب : إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك ، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث . فنزلت الضحى . وقارن بأسباب النزول للسيوطي 140 . ( 2 ) انظر صحيح البخاري 6 / 101 . ( 3 ) البخاري 6 / 21 كتاب التفسير .