صبحي الصالح
30
مباحث في علوم القرآن
« قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ : عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ، وَلا أَقُولُ لَكُمْ : إِنِّي مَلَكٌ ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ » « 1 » . ولتصدير الآيات السابقة بعبارة « قل » مغزى لطيف يفهمه العربي بالسليقة ، وهو توجيه الخطاب للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وتعليمه ما ينبغي أن يقول ، فهو لا ينطق عن هواه ، بل يتبع ما يوحى إليه . ولذلك تكررت عبارة « قل » أكثر من ثلاث مائة مرة في القرآن ، ليكون القارئ على ذكر من أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لا دخل له في الوحي ، فلا يصوغه بلفظه ، ولا يلقيه بكلامه ، وإنما يلقى إليه الخطاب إلقاء ، فهو مخاطب لا متكلم ، حاك ما يسمعه ، لا معبر عن شيء يجول في نفسه . ويزداد الفرق وضوحا بين صفة اللّه المتكلم منزل الوحي وبين صفة رسوله المخاطب متلقي الوحي ، في الآيات التي يعتب اللّه فيها على نبيّه عتابا خفيفا أو شديدا ، أو يعلمه فيها بعفوه عنه وغفرانه ما تقدم من ذنبه وما تأخر : فمن العتاب الخفيف الذي يشوبه عفو اللّه عن رسوله خطابه له في شأن من أذن لهم بالقعود عن القتال في غزوة تبوك : « عَفَا اللَّهُ عَنْكَ ، لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ، وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ » « 2 » . ومن المعلوم أن العفو لا يكون إلا عن ذنب ، كما أن المغفرة لا تكون إلا بعد ذنب ، وقد صرحت الآية بهذا في سورة الفتح : « إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً . لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ » « 3 » . فمن العجيب - بعد هذا القول القرآني الصريح - أن يحاول بعض المفسرين - كالرازي - أن يثبتوا أن لفظ العفو لا يوحي بالذنب » وأن الذي عاتب اللّه به نبيه إنما كان ارتكابه خلاف الأولى ، « وهو - كما يقول السيد رشيد رضا - جمود مع الاصطلاحات المحدثة والعرف الخاص في معنى الذنب وهو المعصية ، وما كان ينبغي لهم أن يهربوا من إثبات ما أثبته
--> ( 1 ) الأنعام 50 ( 2 ) التوبة 43 . ( 3 ) الفتح 1 - 2 .