صبحي الصالح

27

مباحث في علوم القرآن

فإذا قيل في إنسان : إنه من أولي الكشف والإلهام لم يسم به ذلك إلى درجة النبوة والوحي ، لأن في كل وحي وعيا « 1 » ، وفي كل نبوة شعورا بمعناها وإدراكا لمغزاها ، وإنما يرمى « باللاوعي » من فقد الوعي ، ويوصم « باللاشعور » من حرم الشعور ! وطبيعة الحقائق الدينية والأخبار الغيبية في ظاهرة الوحي تأبى الخضوع لهذه الأساليب « اللاشعورية » التي تستشف حجاب المجهول بالفراسة الذكية الخفية والحدس الباطني السريع . مثلما تأبى الخضوع لمقاييس الحس الظاهرة التي تخترق حرمات المجهول بالأدلة المنطقية والاستنباط المتروي البطيء « 2 » ، وإنما تخضع لتصور حوار علوي بين ذاتين : ذات متكلمة آمرة معطية ، وذات مخاطبة مأمورة متلقية . وعلى هذا النمط رسم النبي الكريم فيما صح من حديثه طريقة نزول الوحي على قلبه ، فقال : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ ، فيفصم عني « 3 » وقد وعيت ما قال ، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول » « 4 » ، فكشف النقاب صراحة عن صورتين من الوحي : إحداهما عن طريق إلقاء القول الثقيل على قلبه ، ولديه يسمع صوتا متعاقبا متداركا كصوت الجرس المصلصل المجلجل « 5 » ؛ والثانية عن طريق تمثل جبريل له بصورة إنسان يشاكله في المظهر ولا ينافره ، ويطمئنه بالقول ولا يرعبه ، وما من شك في أن الصورة الأولى أشد وطأ وأثقل قولا ، كما قال اللّه : « إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا » « 6 » حتى كان يصحب الوحي فيها رشح الجبين عرفا ، كما قالت السيدة عائشة أم المؤمنين : « ولقد رأيته

--> ( 1 ) نفسه 139 . ( 2 ) قارن بالنبإ العظيم 34 . ( 3 ) يفصم : ينكشف وينجلي . ( 4 ) صحيح البخاري ، بدء الوحي 1 / 6 والحديث من رواية الحارث بن هشام . ( 5 ) انظر في هذا رأي الخطابي الذي ذكره السيوطي في الإتقان 1 / 71 . ( 6 ) المزمل 4