صبحي الصالح
26
مباحث في علوم القرآن
عرفت البشرية ألوانا صافية منه لدى الشعراء الملهمين والمتصوفين العارفين ، وألوانا عكرة كدرة لدى الكهان والعرافين ، وأكثرهم من الدجاجلة الكذابين ! نرى لزاما علينا - خشية أن نقع في اللبس من أثر استعمال الكلمات في غير مواضعها - أن نقصي عن ظاهرة الوحي لفظ الكشف الذي كنا فيه ، وما يشبهه من ألفاظ الإلهام والحدس الباطني والشعور الداخلي أو « اللا شعور » التي يتغنّى بها شبابنا المثقّفون محاكاة للأعاجم والمستعجمين ، ويحاولون بها أو ببعضها أن يفسروا بسذاجة عجيبة ظاهرة الوحي عند النبيّين وعند محمد خاتم النبيّين . ما أيسر أن نثبت مدلول الكشف لكل من يدعيه ؛ ثم ننكر عليه مدلول الوحي ولو ظلّ يدّعيه ! إنه يخلو من الدلالة النفسية الواضحة المحددة ، لأنه غالبا ما يكون ثمرة من ثمار الكدّ والجهد أو أثرا من آثار الرياضة الروحية أو نتيجة للتفكير الطويل ، فلا ينشى ، في النفس يقينا كاملا ولا شبه كامل ، بل يظل أمرا شخصيا ذاتيا لا يتلقى الحقيقة من مصدر أعلى وأسمى . إن كشف العارفين كإلهام الواصلين وجدان تعرفه النفس معرفة دون اليقين « 1 » ، وتنساق إليه من غير شعور بمصدره الحقيقي ، فيدخل فيه ذوق المتذوقين ووجد المتواجدين ، بل تدخل فيه أيضا أسطورة آلهة الشعر عند اليونان وأسطورة شياطين الشعر عند العرب الجاهليين ! ولا غرو ، فإن الكشف كالإلهام من ألفاظ علم النفس المحدثة التي ما تبرح حتى عند القائلين بها موغلة في الإبهام ، لاحتلالها « حاشية اللا شعور » « 2 » ، وهي حاشية - كما يوحي اسمها - أبعد ما تكون عن حالات ؟ ؟ ؟ ، الشعور :
--> ( 1 ) لذلك لا نتفق مع الإمام محمد عبده حين جعل الالهام وجدانا تستيقنه النفس في ( رسالة التوحيد ، ص 108 حول إمكان الوحي ) . ( 2 ) الظاهرة القرآنية 161 .