صبحي الصالح

25

مباحث في علوم القرآن

بيد أن القرآن - لدى مراعاته المعنى اللغوي الأصلي لمادة الإيحاء حين سمى وسيلته في الإعلام الخفي السريع « وحيا » - لم يقصر ظاهرة هذا الاتصال الغيبي الخفي بين اللّه وأصفيائه على تنزيل الكتب السماوية بوساطة ملك الوحي ، بل أشار في آية واحدة إلى صور ثلاث من صور الوحي : إحداها إلقاء المعنى في قلب النبي أو نفثه في روعه ، والثانية تكليم النبي من وراء حجاب كما نادى اللّه موسى من وراء الشجرة وسمع نداءه ؛ والثالثة هي التي متى أطلقت انصرفت إلى ما يفهمه المتديّن عادة من لفظة « الايحاء » حين يلقي ملك الوحي المرسل من اللّه إلى نبي من الأنبياء ما كلّف إلقاءه إليه سواء أنزل عليه في صورة رجل أم في صورته الملكية ؛ فبهذا نطقت الآية الكريمة : « وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً ، أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ : إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ » « 1 » . كانت إذن لهذا الإعلام الخفي السريع المسمى « بالوحي » صور خاصة تختلف في نظر القرآن عما قد يشبهها من مظاهر الخفاء والسرعة في ألفاظ الإعلام المستعملة قديما وحديثا . ولقد يكون مؤسفا لنا - بعد أن استهوتنا الفكرة القرآنية التي تؤكّد اتحاد مفهوم الوحي عند الأنبياء جميعا - أن نقع في قاموس الكتاب المقدس « 2 » على تفسير للوحي يختلف اختلافا جوهريا عن تفسيره الجامع الموحّد ، إذ الوحي في هذا القاموس « هو حلول روح اللّه في روح الكتّاب الملهمين لإطلاعهم على الحقائق الروحية والأخبار الغيبية ، من غير أن يفقد هؤلاء الكتاب بالوحي شيئا من شخصياتهم ، فلكل منهم نمطه في التأليف وأسلوبه في التعبير » . وإنما أسفنا لاختلاف وجهتي النظر هاهنا ، لأن الوحي - بتعريفه القاموسي هذا - أضحى أبعد ما يكون عن الصعيد الديني المتصل باللّه ، الآخذ عن اللّه ، وأقرب ما يكون إلى مدلول الكشف الذي

--> ( 1 ) الشورى 51 . ( 2 ) هو القاموس الذي وضعه بالعربية الدكتور جورج بوست . وطبع في المطبعة الأميركية ببيروت سنة 1894 .