صبحي الصالح
23
مباحث في علوم القرآن
« وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ، ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى » « 1 » ، وقال : « قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ » « 2 » ، وقال : « وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا : لَوْ لا اجْتَبَيْتَها ، قُلْ : إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي » « 3 » ؛ ثم أنكر على العقلاء توهمهم أن في الوحي عجبا عجابا فقال : « أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ؟ قالَ الْكافِرُونَ : إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ » « 4 » . هل كان للمنطق أن يقضي بأن اشتراك الناس في البشريّة يمنع اختصاص اللّه واحدا منهم بما شاء من العلم والحكمة والإيمان ؟ وهل كان للمنطق أن يعد هذا الاختصاص أعجوبة حتى تفكّه الناس باستغراب ما فيه من نكر ، ورأى فيه أهل الكفر ما يشبه عمل السحر ؟ إن الوحي الذي لا ينبغي أن يتعجّب منه لا بد أن يكون إدراكه سهلا ميسرا خاليا من التعقيد ، فما حقيقة هذا الوحي في نظر الدين ؟ وما مدى التشابه بين ظاهرته عند محمد وعند سائر النبيّين ؟ حين سمى الدين هذا الضرب من الإعلام الخفي السريع « وحيا » لم يبتعد عن المعنى اللغوي الأصلي لمادة الوحي والإيحاء : فمنه الإلهام الفطري للإنسان ، كقوله تعالى : « وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ » « 5 » وقوله : « وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ، قالُوا : آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ » « 6 » ، ومنه الإلهام الغريزي للحيوان كالذي في قوله « وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ » « 7 » ،
--> ( 1 ) أوائل سورة النجم . ( 2 ) يونس ، الآية 10 ( 3 ) الأعراف 7 . ( 4 ) يونس 2 . وقارن بتفسير المنار 11 / 143 . ( 5 ) القصص 7 . ( 6 ) المائدة 111 . ( 7 ) النحل 68 . وقارن بأساس البلاغة 2 / 496 .