صبحي الصالح

147

مباحث في علوم القرآن

ظاهرة في الرواية الثانية ، فكل ما فيها من اللفظ والمعنى يدعو إلى الدهشة والاستغراب ، بينما الرواية الأولى صحيحة ، فلا مسوغ لترددنا وتساؤلنا : أيهما تعمل وأيهما تهمل ؟ إذ لامكان للباطل إلى جانب الصحيح . قال ابن حجر : « قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة ، لكنّ كونها سبب نزول لآية غريب ، وفي إسناده من لا يعرف ، فالمعتمد ما في الصحيح » « 1 » . وقد تكون حادثة واحدة سببا في نازلين أو أكثر من القرآن ، وهو ما يعبرون عنه بقولهم : « تعدد النازل والسبب واحد » . مثال الحادثة الواحدة تكون سببا في نازلين ، ما أخرجه ابن جرير الطبري والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالسا في ظل شجرة فقال : « إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان ، فإذا جاء فلا تكلموه . فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق العينين ، فدعاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : علام تشتمني أنت وأصحابك ؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا باللّه ما قالوا حتى تجاوز عنهم . فأنزل اللّه : « يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا ، وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ . فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ . وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ » من سورة التوبة . وأخرج الحاكم هذا الحديث بهذا اللفظ وقال : فأنزل اللّه « يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ . أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ . اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ، أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ . أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ » من سورة المجادلة « 2 » . ومثال الحادثة الواحدة تكون سببا في أكثر من نازلين من القرآن ما أخرجه الحاكم والترمذي عن أم سلمة أنها قالت : يا رسول اللّه ، لا أسمع اللّه ذكر

--> ( 1 ) الاتقان 1 / 45 « والروايتان كلتاهما مع تعليق ابن حجر في الصفحة نفسها » . ( 2 ) الاتقان 1 / 58 .