صبحي الصالح
144
مباحث في علوم القرآن
وهو أولى بالاعتبار ، ولا مانع من تعدد الأسباب » ، على حد تعبير ابن حجر « 1 » . وإن كانت الروايتان صحيحتين ، ولم نستطع ترجيح إحداهما ولا الجمع بينهما لتباعد الزمن بين أحداثهما ، حملنا الأمر على تعدد نزول الآية . مثال ذلك : ما أخرجه البيهقي والبزار عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم وقف على حمزة حين استشهد وقد مثل به فقال : « لأمثّلن بسبعين منهم مكانك » فنزل جبريل - وللنبي صلى اللّه عليه وسلم واقف - بخواتم سورة النحل : « وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ » إلى آخر السورة ، وهن ثلاث آيات « 2 » . وأخرج الترمذي والحاكم عن أبيّ بن كعب قال : « لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون ، ومن المهاجرين ستة ، منهم حمزة ، فمثلوا به ، فقالت الأنصار : لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم . فلما كان يوم فتح مكّة أنزل اللّه : « وَإِنْ عاقَبْتُمْ » الآية « 3 » . لا يمكننا هنا الجمع بين الروايتين ، لتباعد الزمن بين الحادثتين ، فإحداهما متعلقة بغزوة أحد ، والأخرى بفتح مكّة ، وبينهما بضع سنين ، فلا بد لنا من القول بتعدد نزول الآيات ، أول الأمر في غزوة أحد ، وبعد ذلك عقب فتح مكة . ومن ذلك ما يرويه البخاري - واللفظ له - عن المسيّب « لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد اللّه بن أبي أمية ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : أي عمّ قل لا إله إلّا اللّه أحاجّ لك بها عند اللّه ، فقال أبو جهل وعبد اللّه بن أبي أميّة : يا أبا طالب ، أترغب عن ملّة عبد المطلب ؟ فقال
--> ( 1 ) الاتقان 1 / 56 . ( 2 ) وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين . واصبر وما صبرك إلا باللّه ، ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون . إن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون . ( 3 ) الاتقان 1 / 57 .