صبحي الصالح
12
مباحث في علوم القرآن
وما نحسب باحثا يرتاب في أن علماءنا القدامى قد محصوا ما يتعلق بالمكي والمدني كل التمحيص ، وأن بعض المحققين منهم - في طائفة من أبحاثهم - مهدوا بين أيدينا القول بتقسيم النوازل المكية ثم المدينة إلى مراحل ثلاث : ابتدائية ومتوسطة وختامية ، إلا أنهم شغلوا بمتابعة جزئيات تلك المراحل أكثر مما احتفلوا بإبراز ما انطوت عليه كل مرحلة من عقائد وأحكام ، وما سرى في ألفاظها وفواصلها من إيقاع ، وما غلب على صورها ومشاهدها من أساليب ، فسنحاول بدراستنا هذه أن نتفرى في القرآن نفسه كل هاتيك الملاح فيما سوف يجده القارئ بنفسه في فصل " المكي والمدني " . ولا يفوتنا أن نشير إلى أن الطالب الذي يود لو يطلع على " نماذج " من التحليل البياني لبعض السور القرآنية سوف يجد في هذا المبحث ذاته طلبته في عشرين سورة مفسرة موضوعاتها وأساليبها على حسب تعاقبها في النزول ، واقعة موقعها التاريخي من مراحل التنزيل . وما نحسب أن التوفيق حالف طائفة من القدامى غلت أعجب الغلو في بحث " الناسخ والمنسوخ " فإنهم فيه أكثروا من الخلط بين المفهومات ، والتبس على كثر منهم ما ينسبه الله إلى نفسه بما عسى أن ينسبه البشر إليه أو إلى أنفسهم ، فلم يفرقوا بين النسخ والتخصيص ، وبين النسخ والبداء ، وبين النسخ والإنساء ، وبين نسخ الأحكام ونسخ الأخبار . ولسوف يحلمنا غلوهم وخلطهم على أن نتعالى بكلام الله المتواتر المعجز عن أقاويلهم الغريبة التي تعارض منطق الأشياء ! وإن إعجابنا الشديد بكثير مما تناول به سلفنا قضية الإعجاز لن يمنعنا من أن نجري في مفهوم هذه القضية شيئا من التعديل ، لنسمو بدرس الأسلوب القرآني من أفق المصطلحات البلاغية الضيق إلى أفق الفن الأدبي الرفيع : ففي بحث الإعجاز سنفهم الصور البيانية فهما موحيا فيه نداوة الفن وظل الأدب الظلبل ، وسنتلقى بمشاعرنا كلها موسيقى القرآن الداخلية التي فيها من النئر تعبيره الدقيق ، وفيها من الشعر إيقاعه الرخي المنساب !