صبحي الصالح
110
مباحث في علوم القرآن
قرئ « لأمانتهم » بالإفراد . ومن الواضح أنها رسمت في المصاحف العثمانيّة « لامنتهم » لخلوها من الألف الساكنة . ومؤدى الوجهين واحد ، لأن في الإفراد قصدا للجنس وفي الجنس معنى الكثرة ، ولأن في الجمع استغراقا للأفراد ، وفي الاستغراق معنى الجنسية : فرعاية « الأمانة » كرعاية « الأمانات » تشمل الكل والجزئيات . ولأمر ما جاءت لفظة « العهد » في الآية نفسها مفردة على كلتا القراءتين ، وبكلا الحرفين ، فما قرئ : « والذين هم لأمانتهم وعهودهم راعون » ، ولا قرئ « والذين هم لأماناتهم وعهودهم راعون » . ومن ذلك أن « البقر » في قوله تعالى : « إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا » ذكّر في حرف قصدا للجنس ، فبني فعله للماضي وذكّر فقرئ : « تشابه علينا » ، وأنّث في حرف قصدا للجماعة ، فصيغ صياغة المضارع وأنّث : « تشابه » بعد حذف إحدى التاءين تخفيفا ، إذ أصله : « تتشابه » « 1 » . الرابع : الاختلاف بإبدال كلمة بكلمة يغلب أن تكون إحداهما مرادفة للأخرى ، وإنما تتفاوتان بجريان اللسان بإحداهما لدى قبيلة دون أخرى ، كقوله تعالى : « كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ » فقد قرئ : « كالصوف المنفوش » « 2 » ، أو يكون بين الكلمتين المبدلتين تقارب في المخارج يسمح بالتناوب بينهما ، ويكاد يشعر بتصاقبهما معنى لتصاقبهما لفظا ، كقوله : « طَلْحٍ مَنْضُودٍ « 3 » » فقد قرى : « طلع » ، ويلاحظ أن مخرج العين والحاء واحد هو الحلق ، فهما أختان تتعاقبان . وأما قراءة ابن مسعود « فاقطعوا أيمانهما « 4 » » بدلا من « أيديهما » فشاذ ، لأنها وردت من طريق آحادي . ومن المؤكّد أن
--> ( 1 ) البقرة 70 . وقارن بالمذكر والمؤنت للمبرد 132 / 1 . وراجع كتابنا « دراسات في فقه اللغة 87 » . ( 2 ) سورة القارعة 5 ( وانظر البرهان 1 / 215 ) . ( 3 ) سورة الواقعة 29 ( وانظر البرهان 1 / 215 ) . وكان الإمام مالك يجيز قراءة « فامضوا إلى ذكر اللّه » بدلا من « فاسعوا » سورة الجمعة 9 ( البرهان 1 / 222 ) مع أن هذه القراءة لم تبلغ درجة التواتر ، فقد انفرد بها عمر ، وابن عباس ، وابن مسعود ، وقرأها الباقون ( فاسعوا ) البرهان 1 / 215 حاشية 9 . ( 4 ) سورة المائدة 38 ( وانظر البرهان 1 / 336 ) .