صبحي الصالح

11

مباحث في علوم القرآن

ثبت لديهم من وجوهها القطعية اليقينية ، ودلت طريقتهم التي ابتعوها في تمحيص الروايات وتحقيق النصوص في هذا كله على أنهم كانوا أقدر الباحثين على التحاكم إلى التاريخ الصحيح . لكن انطوت مزيتهم الكبرى هذه على عيب شكلي بسيط : فإن استمساكهم بالمنهج التاريخي لم يترك لهم أحيانا الفرص الكافية لإيفاء الناحية الأدبية في القرآن ما هي خليقة به من العناية : جمعوا في " أسباب النزول " بين السبب التاريخي والسياق الأدبي في ثلة من الموطن ولكنهم لم يحسنوا دائما الجمع بين هذين الأمرين في سائر المواطن الأخرى ، حتى بات الباحث يتساءل مرارا : لم وضعت هذه الآية إلى جنب تلك ؟ ولم قفي هذا الموضوع بذاك رغم الفاصل الزمني البعيد ؟ ثم لا يجد لديهم جوابا شافيا عن ذلك . على كثرة ما رووه في هذا وصنفوه . لذلك لن نكتفي في بحث " أسباب النزول " بعرض أنماط من مقاييسهم الدقيقة التي وضعوها لترجيح الروايات المنبئة عن تلك الأسباب ، بل سنضم إلى ذلك من وشت به عبارات مبثوثة هنا وهناك - في تفاسير المحققين منهم - من رعاية لنظم القرآن وحسن السياق ، فنسهب في الاستشهاد ببعض المقاطع القرآنية التي أقصى فيها المفسرون فكرة الزمان لمراعاة التناسق الفني ، حتى بدا كل نص في القرآن محكم البناء ، متلاحم الأجزاء ، آخذا بعضه بأعناق بعض ، فبهذا نعرف عن كل آية : أمكملة لما قبلها أم مستقلة ؟ وما وجه مناسبتها لما قبلها ؟ إن جاءت على سبيل الاستئناف ؟ وإننا لنحمد لعلمائنا الأبرار القدامى انتباههم إلى تعدية الآبات إلى غير أسبابها ، وقولهم بتعميم الصياغة ولو وقعت الآبات على سبب خاص ، غير أننا نرى أن عيونهم قد أخطأت أحيانا ما رسمه القرآن من " نماذج " إنسانية تتخطى الزمان والمكان ، وتتجاوز المناسبات والأسباب . فعلينا إذن - خدمة للجانب الفني في القرآن - أن نملأ ذلك الفراغ بما نرجو أن يلهمنا الله التقاطه من الصور الشاخصة والمشاهد المتكررة في عالم الأحياء .