صبحي الصالح
10
مباحث في علوم القرآن
بعنايتهم التي لم يحتط بمثلها كتاب من قبل ولا من بعد ، وأنهم درسوا كل شيء يتعلق به حتى بددوا أوقاتهم أحيانا بما نظنه لا يخدم أغراضه في شيء . وربما كان لزاما علينا - إزاء هذه العناية التي لا نعرف لها نظيرا - أن نقنع بالنتائج التي انتهي إليها سلفنا الصالحون ، ونسلم بكل ما جاء في تصانيفهم تسليما . ولو اكتفينا بذلك لما وسعنا أن نكشف النقاب عن وجه القرآن الساحر الجذاب ، فإن متهج الدراسة القديمة لا يكافىء ما ينبغي لكتاب الله من تفحص كل جانب من جوانبه التي قامت حولها المدارس والمذاهب والآراء . وإن نعرف للقدامى فضلهم الكبير ، ونقل : إننا عالة عليهم في هذه البحوث ، ما نزيد على التفقه بآثارهم ، والاستضاءة بأنوارهم . لايغضض من قيمة عرفاننا هذا ما نأخذه من مآخذ شكلية على منهجهم القديم : ذلك بأن طريقتهم من الوجهة التاريخية لا تضاهى دقة وعمقا وأمانة ، ولكن المنهج التاريخي غلب على أبحاثهم القرآنية ، فلم يفسح المجال دائما لتصوير الجانب الأدبي الفني الذي يسد الفجوات ويملا الثغرات حين يكتم التاريخ بعض الحقائق الكبرى . إن في تعريفهم لعلوم القرآن لما يبرز المعنى التاريخي في منهجهم واضحا قويا : فهذه العلوم - في نظرهم - عبارة عن مجموعة من المسائل يبحث فيها عن أحوال القرآن الكريم من حيث نزوله وأداؤه ، وكتابه وجمه ، وترتيبه في المصاحف ، وتفسير ألفاظه ، وبيان خصائصه وأغراضه : وفي أبحاثهم التفصيلية لمفردات هذا التعريف يشتد أثر المنهج التاريخي بروزا ووضوحا ، فقد وافونا في نزول القرآن بمراحله كلها ابتداء ووسطا وختاما ، وصوروا لنا طريقة نزوله تصويرا دقيقا في الليل والنهار ، والحر والبرد ، والسلم والحرب ، وكادوا لا يغفلون جزئية من الجزئيات الصغيرة في هذا المجال ، ولم يعيهم أن يتقصوا النوازل القرآنية المنجمة على حسب الوقائع الفردية والاجتماعية ، ولم نجد نظائر لمباحثهم في تحري جمع القرآن وحفظه واستنساخه في المصاحف وتحسين رسمه ، وفي الاستيثاق من متواتر أحرفه السبعة ، ومتواتر قراءاته فيما