قيس آل قيس

4

الإيرانيون والأدب العربي ( رجال علوم القرآن )

بالمستعمر . وكان نبوغهم يتجسّد في اللّغة والشّعر ، حيث بلغت اللغة العربية أوجها في الكمال والدقّة والفنّ ، فنظم بها شعراء كبار وغدت طيّعة على أفواه الخطباء والمتكلمين . غير انّ هذه اللغة المتكاملة أصبحت يتيمة في مجتمع غلب عليه الفساد والفوضى الدينية والسياسية والاجتماعية حيث ظهر نور الهداية وبعث منقذ الأمم ، رسول الاسلام العظيم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعلن الدعوة إلى الإسلام ، وبدأت مع الدعوة عمليّة التغيير التي لم تشهد لها الانسانية مثيلا ، ومن جملة ما بدّلته من أحوالهم انه جمعت كلمتهم وصاروا يدا واحدة على اختلاف أنسابهم ومواطنهم بعد أن كان اليمنيّ يفاخر الحجازىّ ، والمضرىّ يفاخر الحميرىّ ، وعلى هذا يمكننا اعتبار الجاهلية بالنسبة لظهور الإسلام وحضارته المنظمة النامية المتطورة تمثل فترة البربرية الأولى ، فهي مرحلة طفولة الأمة العربية التي شبّت عن الطّوق وترعرعت بعد نزول القرآن وخطت خطوات واسعة جدا من الظلام إلى النّور ، ومن طرق وعرة إلى طريق واضح لاحب ومن فوضى إلى نظم ومقاييس وتقنين . وعلى اىّ حال فظهور الإسلام في جزيرة العرب شغل أهلها في أثناء حياة الرسول ومعظم أيام الخلفاء الراشدين بالفتوحات والجهاد والأسفار ، وانّ القرآن الكريم أخذ بمجامع قلوب الناس واستقرّ في المكان الأول من أذهانهم وغيّر من عاداتهم وأخلاقهم وسائر أحوالهم ، فظهر ذلك في حياتهم الخاصة والعامة وفي علومهم وآدابهم . اما القرآن ، فهو خصوص ما أنزل بين الدّفّتين دون أن يزاد فيه حرف أو ينقص « تنزيل من الرّحمن الرّحيم ، كتاب فصّلت آياته قرآنا عربيّا لقوم يعلمون » « 1 » ويسمى أيضا الفرقان ، والذّكر ، والتنزيل ، والمصحف والكتاب ، تتناول آياته العقيدة والسنّة الأخلاقية والاجتماعية . ويتكون من ستة آلاف وثلاثمائة واثنتين وأربعين آية منها خمسمائة آية تتعلق بالأحكام ، ونظّمت هذه الآيات في سور بلغ مجموعها مائة وأربع عشرة سورة ، أولها سورة الحمد وآخرها سورة الناس ، وآخر ما نزل من آياته قوله سبحانه وتعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً . « 2 »

--> ( 1 ) فصّلت ، 41 : 1 ، 2 . ( 2 ) المائدة 5 : 3 .