الشيخ الصدوق
593
من لا يحضره الفقيه
لله ، وأعظمهم عناء ، وأحوطهم على رسوله ، وأفضلهم مناقب ، وأكثرهم سوابق ، وأرفعهم درجة ، وأشرفهم منزلة ، وأكرمهم عليه . قويت حين ضعف أصحابه ، وبرزت حين استكانوا ، ونهضت حين وهنوا ، ولزمت منهاج رسول الله صلى الله عليه وآله ، كنت خليفته حقا لم تنازع برغم المنافقين ، وغيظ الكافرين ، وكره الحاسدين ، وضغن الفاسقين ، فقمت بالامر حين فشلوا ، ونطقت حين تتعتعوا ( 1 ) ، ومضيت بنور الله إذ وقفوا ، فمن اتبعك فقد هدي ، كنت أقلهم كلاما ، وأصوبهم منطلقا ، وأكثرهم رأيا ، وأشجعهم قلبا ، وأشدهم يقينا ، وأحسنهم عملا ، وأعناهم بالأمور ( 2 ) . كنت للدين يعسوبا أولا ( 3 ) حين تفرق الناس ، وأخيرا حين فشلوا ، كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا ، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا ، وحفظت ما أضاعوا ، ورعيت ما أهملوا ، وشمرت إذا [ ا ] جتمعوا ، وشهدت إذ جمعوا ، وعلوت إذ هلعوا ( 4 ) ، وصبرت إذ جزعوا ، كنت على الكافرين عذابا صبا ، وللمؤمنين غيثا وخصبا لم تفلل حجتك ، ولم يزغ قلبك ، ولم تضعف بصيرتك ، ولم تجبن نفسك ، ولم تهن ، كنت كالجبل لا تحركه العواصف ، ولا تزيله القواصف ( 5 ) ، وكنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ضعيفا في بدنك ، قويا في أمر الله ، متواضعا في نفسك ، عظيما عند الله عز وجل ، كبيرا في الأرض ، جليلا عند المؤمنين ، لم يكن لاحد فيك مهمز ، ولا لقائل فيك مغمز ( 6 ) ولا لاحد فيك مطمع ، ولا لاحد عندك هوادة ( 7 ) الضعيف الذليل
--> ( 1 ) التعتعة في الكلام : التردد من حصر أوعى . ( 2 ) في الكافي " وأعرفهم بالأمور " . ( 3 ) اليعسوب : السيد والرئيس والمقدم وأمير النحل . ( النهاية ) ( 4 ) الهلع : أفحش الجزع والحرص والفزع . ( 5 ) العاصف : الشديد ، والقاصف شديد الصوت . ( 6 ) الهمز : العيب والنقص ، والغمز : الطعن والاتهام . ( 7 ) الهوادة : الميل واللين والرفق ، وما يرجى به الصلاح بين القوم .