الشيخ الصدوق

519

من لا يحضره الفقيه

تخبر بالفناء ، وساكنها يحدى بالموت ( 1 ) فقد أمر منها ما كان حلوا ، وكدر منها ما كان صفوا ، فلم يبق منها إلا سلمة كسلمة الإداوة ( 2 ) ، وجرعة كجرعة الاناء ( 3 ) ، يتمززها الصديان لم تنفع غلته ، فأزمعوا عباد الله بالرحيل من هذه الدار ( 4 ) المقدور على أهلها الزوال ، الممنوع أهلها من الحياة ، المذللة أنفسهم بالموت فلا حي يطمع في البقاء ولا نفس إلا مذعنة بالمنون ، فلا يغلبنكم الامل ، ولا يطل عليكم الأمد ، ولا تغتروا فيها بالآمال وتعبدوا الله أيام الحياة ، فوالله لو حننتم حنين الواله العجلان ( 5 ) ودعوتهم بمثل دعاء الأنام وجأرتم جؤار متبتل الرهبان ( 6 ) ، وخرجتم إلى الله من الأموال والأولاد التماس القربة

--> ( 1 ) " يحدى " على صيغة المجهول ، ولعل الباء بمعنى " إلى " أو لفظة " إلى " مقدرة في نظم الكلام ( مراد ) وفى الصحاح الحدو - كفلس - : سوق الإبل والغناء لها ، وقد حدوت الإبل حدوا وحداء - بضم الأخير - . ( 2 ) السملة - محركة - : القليل من الماء يبقى من الاناء . والإداوة - بكسر الهمزة - : المطهرة واناء صغير من جلد يتطهر به ويشرب . ( 3 ) في النهج " كجرعة المقلة " - بفتح الميم - وهي حصاة القسم توضع في الاناء إذا عدموا الماء في السفر ثم يصب الماء عليه حتى يغمر الحصاة فيعطى كل أحد سهمه . ( 4 ) التمزز : تمصمص الماء قليلا قليلا ، والمزة : المصة ، والصدى : العطش ، وقد صدى يصدى صدى فهو صد ، وصاد ، وصديان ، ونقع الماء العطش نقعا ونقوعا أي سكته - بشد الكاف - . والغلة والغل شدة العطش وحرارته . وأزمعوا أي أجمعوا ، وفى بعض النسخ " فأجمعوا " . ( 5 ) كذا في جميع النسخ ولعل الصواب " الوله العجال " بضم الواو وكسر العين - كما في النهج - والعجال : كل أنثى فقدت ولدها فيه واله ووالهة والعجول من الإبل التي فقدت ولدها . ( 6 ) وجأر - كمنع - جأرا وجؤارا - كصراخ - : تضرع واستغاث رافعا صوته بالدعاء . والمتبتل : المنقطع للعبادة أو عن النساء أو عن الدنيا ، أي لو تضرعتم إلى الله كهؤلاء بأرفع أصواتكم كما يعل الراهب المتبتل - لكان كذا وكذا .