الشيخ الصدوق

321

من لا يحضره الفقيه

عنده حداثا ( 1 ) فاستحيت فانصرفت ، فعلم صلى الله عليه وآله أنها قد جاءت لحاجة فغدا علينا ونحن في لحافنا ( 2 ) فقال : السلام عليكم ، فسكتنا واستحيينا لمكاننا ، ثم قال : السلام عليكم ( 3 ) فسكتنا ، ثم قال : السلام عليكم فخشينا إن لم نرد عليه أن ينصرف وقد كان يفعل ذلك ( 4 ) فيسلم ثلاثا فإن أذن له وإلا انصرف ، فقلنا : وعليك السلام يا رسول الله أدخل ، فدخل وجلس عند رؤوسنا ثم قال : يا فاطمة ما كانت حاجتك أمس عند محمد ؟ فخشيت إن لم نجبه أن يقوم ، فأخرجت رأسي فقلت : أنا والله أخبرك يا رسول الله انها استقت بالقربة حتى أثر في صدرها ، وجرت بالرحى حتى مجلت يداها ، وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها ، وأوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها فقلت لها : لو أتيت أباك فسألته خادما يكفيك حر ما أنت فيه من هذا العمل ، قال : أفلا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم ؟ إذا أخذتما منامكما ( 5 ) فكبرا أربعا وثلاثين تكبيرة ، وسبحا ثلاثا وثلاثين تسبيحة ، واحمدا ثلاثا وثلاثين تحميدة ، فأخرجت فاطمة عليها السلام رأسها وقالت : " رضيت عن الله وعن رسوله رضيت عن الله وعن رسوله " ( 6 ) .

--> ( 1 ) أي جماعة يتحدثون وهو جمع على غير قياس ( النهاية ) وفى بعض النسخ " أحداثا " . وفى بعضها " حدثاء " . ( 2 ) في بعض النسخ " ونحن في لفاعنا " واللفاع - ككتاب الملحفة والكساء والنطع وكلما تتلفع به المرأة . ( القاموس ) ( 3 ) هذا سلام الاستيذان ووجوب الرد فيلم تثبت بل عدمه مشهور لان صاحب البيت مخير . والواجب رد سلام التحية . ( 4 ) أي كان ذلك من عادته صلى الله عليه وآله . ( مراد ) ( 5 ) أي محل نومكما . ( مراد ) ( 6 ) رواه الصدوق - رحمه الله - مسندا في كتبه عن رجال العامة واعتمد عليه في الترتيب وعلى تقدير صحته يمكن القول به عند النوم لا مطلقا والظاهر الترتيب المشهور . ( م ت ) أقول : روى البخاري ومسلم وأبو داود والفظ له بأسانيدهم عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لابن أعبد ألا أحدثك عنى وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت من أحب أهله إليه وكانت عندي ؟ قال : بلى ، قال : انها جرت بالرحى حتى أثرت في يدها ، واستقت بالقربة حتى أثرت في نحرها ، وكنست البيت حتى اغبرت ثيابها ، فأتى النبي صلى الله عليه وآله خدم - يعنى سبى - فقلت : لو أتيت أباك فسألته خادما ، فأتته فوجدت عنده حداثا فرجعت ، فأتاها من الغد فقال : ما كان حاجتك ؟ فسكتت ، فقلت أنا أحدثك يا رسول الله ، جرت بالرحى حتى أثرت في يدها ، وحملت القربة حتى أثرت في نحرها فلما أن جاء الخدم أمرتها أن تأتيك فتستخدمك خادما يقيها حر ما هي فيه ، قال : اتقى الله يا فاطمة ، وأدى فريضة ربك ، اعملي عمل أهلك وإذا أخذت مضجعك فسبحي ثلاثا وثلاثين ، وحمدي ثلاثا وثلاثين ، وكبرى أربعا وثلاثين فتلك مائة ، فهو خير لك من خادم ، قالت : رضيت عن الله وعن رسول . زاد في رواية " ولم يخدمها " . فقف أيها القارئ الكريم وتأمل جيدا في هذا الخبر الشريف المجمع عليه فان بضعة المصطفى صلى الله عليه وآله وقرة عينه الوحيدة تطلب منه من السبي والغنائم خادما ليعينها في مهام - منزلها ويزيل عنها شيئا من تعبها وهو سلطان نافذ الكلمة ، وراع مسيطر في وقته ، بيده الأموال بل النفوس وله القدرة بأعظم مظاهرها بحيث يقول ناعته : لم أر قبله ولا بعده مثله ، مع ذلك كله يأمر ابنته الوحيدة وفلذة كبده الفريدة بالتقوى والقيام بواجب بيتها والاكثار من ذكر ربها ولم يرض أن يعطيه من بيت مال المسلمين خادما وقال صلى الله عليه وعليهما : ألا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم . فتجيب المعصومة سلام الله عليها طائعة مشعوفة مختارة : " رضيت عن الله ، رضيت عن رسول الله " . فخذ هذا مثلا لا يلمسك الحقيقة جدا في معرفة من حذا حذو الرسول صلى الله عليه وآله ومن مال عن طريقته ونأى بجانبه وحاد عن سنته ممن يدعى الخلافة بعده فرسول الله صلى الله عليه وآله هو الامام المتبع فعله والرئيس المقتفى أثره . هذا علي بن أبي طالب ترك التفضيل لنفسه وولده على أحد من أهل الاسلام ، دخلت عليه أخته أم هاني بنت أبي طالب فدفع إليها عشرين درهما ، فسالت أم هاني مولاتها العجمية فقالت : كم دفع إليك أمير المؤمنين ؟ فقالت : عشرين درهما ، فانصرفت مسخطة ، فقال لها : انصرفي رحمك الله ما وجدنا في كتاب الله فضلا لإسماعيل على إسحاق . وبعث إليه من البصرة من غوص البحر بتحفة لا يدرى ما قيمتها فقالت ابنته أم كلثوم : أجمل به ، ويكون في عنقي ؟ فقال : يا أبا رافع أدخله إلى بيت المال ، ليس ذلك سبيل حتى لا يبقى امرأة من المسلمين الا ولها مثل ذلك . ولما ولى بالمدينة قام خطيبا فقال : يا معشر المهاجرين والأنصار يا معشر قريش اعلموا والله انى لا أرزؤكم من فيئكم شيئا ما قام لي عذق بيثرب ، أفتروني مانعا نفسي وولدي ومعطيكم ولأسوين بين الأسود والأحمر ، فقال إليه عقيل فقال : لتجعلني وأسود من سودان المدينة واحدا ، فقال له : اجلس - رحمك الله - أما كان ههنا من يتكلم غيرك . واشتهر أنه عليه السلام يقول : والله لقد رأيت عقيلا وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعا ورأيت صبيانه شعث الشعور غبر الألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم وعاودني مؤكدا وكرر على القول مرددا ، فأصغيت إليه سمعي فظن أنى أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقا طريقتي فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها فضج ضجيج ذي دنف من ألمها - إلى آخر ما قال صلى الله عليه . وهذا ابن عفان أعطى سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاعة جميع ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب وهي طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشركه فيه أحدا من المسلمين ، وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف ، وأتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة فقسمها كلها في بنى أمية - ذلك كله في شرح ابن أبي الحديد ج 1 ص 67 - وسعد بن أبي صرح هذا هو الذي أباح رسول الله دمه يوم الفتح كما في سنن أبي داود وأنساب البلاذري ، وفى بعض المصادر عبد الله بن أبي سرح . وبالجملة هاتان السيرتان مقياسان لمن يروم معرفة المحق والمبطل ممن كان بيده بيت المال .