الشيخ محمد مهدي الآصفي

96

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

ومن عجب ، أنّ حركة الإنسان إلى الله وسط حركة جماهير المؤمنين إلى الله أسرع وأقوى وأرضى إليه تعالى ، من أن يتحرّك الإنسان وحده إلى الله إلّا أن يكون أمّة لوحده ، كما كان إبراهيم ( ع ) لوحده أمّةً . والله تعالى يحبّ أن يستقبل عباده مجتمعين ، فإذا أقاموا الصلاة ، أقاموها جميعاً ، وإذا توجهوا إلى وجهه الكريم بوجوههم توجهوا جميعاً ، وإذا صاموا صاموا جميعاً ، وإذا أفطروا أفطروا جميعاً . وهذه الصفة ( الاجتماعية ) أمر أصيل وجوهري في هذا الدين ؛ والقبلة تحقّق هذه الصفة الاجتماعية في تسليم الوجوه إلى الله ، إضافةً إلى أصل التسليم . 2 - الطواف ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) « 1 » والدور الثاني للكعبة أن تستوعب هذه الغاية ( وهي مرضاة الله ، ووجهه الكريم ) كلّ جهد الإنسان وهمّه وحركته ، وهو ما يرمز إليه ( الطواف ) . فإنّ ( القبلة ) توجّه الإنسان إلى الله في صلاته ، وهذه مهمّة صعبة وشاقّة ، إلّا أنّ هذه المهمّة - في حدود القبلة - لا تستوعب كلّ جهد الإنسان وحركته ، فإنّ الإنسان يصلّي ، ويسعى ويتحرّك في مناكب الأرض ابتغاءً للرزق ، ويتزوّج ، ويتعلّم ، ويعلّم ، ويحبّ ، ويبغض ، ويذهب إلى السوق ، ويعود إلى البيت ، وليس عليه من بأس في ذلك ، إذا كانت هذه الحركة في غير معصية الله ؛ غير أنّ شطراً كبيراً من جهد الإنسان وحركته واهتماماته يقع خارج هذه الجهة ( مرضاة الله ووجه الله ) دون أن تعارضه ، ولا تستوعب كلَّ همومه وحركته وسعيه ، ولا بأس

--> ( 1 ) الحج : 29