الشيخ محمد مهدي الآصفي
68
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )
الدعوة من الله والتلبية من العباد : وتكريم آخر للإنسان في أصل الدعوة ؛ فإنّ الدعوة عادة من صاحب الحاجة ، والتلبية ممن يملك هذه الحاجة ، والله تعالى هو الغني ، وعباده الفقراء إليه : ( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) « 1 » . وشاء الله أن يُكْرم عباده بأن دعاهم إلى عبادته ، وهو الغني عن عبادة عباده له ، وشاء الله أن تكون التلبية من عباده الفقراء إليه . وحقّ عليهم أن يطلبوا من الله - تعالى - أن يأذن لهم بالعبودية والعبادة ، ولكن الله - تعالى - بدأهم بهذه الدعوة ، وأكرمهم بالتلبية والاستجابة ، وهو غاية ما يمكن أن يبلغه الكرم ، وإذا كانت هذه الدعوة من الله غاية الجود والكرم من الله ، فإنّ الإعراض والصدود عنها غاية اللؤم من الإنسان ، وإذا كانت الاستجابة لهذه الدعوة من سعادة الإنسان ، فإنّ من بؤس الإنسان وشقائه الإعراض والصدود عن الاستجابة لهذه الدعوة . ولهذا السبب قلت : إنّ الاستجابة لدعوة الله - تعالى - عروج إلى الله ، والصدود والإعراض عنها سقوط وهلاك للإنسان . وكيف انعكس الأمر - في هذه الدعوة الإلهية - وانقلب العبد في فقره وحاجته من موقع الطالب والداعي والسائل إلى موقع « التلبية » ؛ وكان الله تعالى هو صاحب الدعوة والطلب ، وهو غني بذاته عن خلقه وعباده . إنّ لهذا الانقلاب في المواقع سرّاً ، وهو خصلة الكرم والجود الذاتية والأصيلة في الذات الإلهية ، فهو سبحانه وتعالى يُحبُّ أن يجود على عباده ، ويُحبُّ أن يكرمهم وأن يحسن إليهم ، كما نحتاج نحن إلى جوده وكرمه وإحسانه . وحبّ الجود والكرم والإحسان والعطاء صفة من صفات ذاته عزّ شأنه ، وليس
--> ( 1 ) فاطر : 15