الشيخ محمد مهدي الآصفي
51
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )
يقول تعالى : ( أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ) « 1 » . والشهر الحرام هو كذلك شهر حظر فيه الله تعالى القتال . يقول تعالى : ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ ) . « 2 » يقول الراغب في ( المفردات ) : و « الحَرَم » سمي بذلك لتحريم الله تعالى فيه كثيراً مما ليس بمُحرم في غيره من المواضع ، وكذلك « الشهر الحرام » . « 3 » والعلاقة بين ( ما يحُرّمه الله تعالى ) وبين ( من يُحَرَّم عليه ) و ( ما يُحَرَّم فيه ) علاقة عكسية . وتوضيح ذلك : إنّ ما يحرّمه الله تعالى من قول وفعل فلا بد من أن يكون ذلك لسبب فيه من فساد أو دناءة كالشرك والفحشاء ، وقول الزور والباطل والعدوان ، أو أن الله تعالى يكرهه لعباده ، ولو لظرف خاص من مكان أو زمان . وأما من يحرم الحرام عليه ، ويضع الله تعالى عليه الحرمة والنهي فإن ذلك إشعار بقيمته ومنزلته عند الله ، ومهما كثرت عليه المحرمات عند الله كان ذلك دليلًا على منزلته وقيمته . فليس على الحيوان تكليف من حرام وحلال ، وليس على المجنون والطفل تكليف ، فالتكليف بالحرمة إشعار بقيمة المكلف عند الله ، كما أنّ كثرة الحرمات في مكان أو زمان إشعار بقيمة ذلك المكان والزمان عند الله . فإذا كان يحرم في المسجد ما لا يحرم في غيره ، كالإجناب ودخول الجنب مثلًا ،
--> ( 1 ) القصص : 57 ( 2 ) البقرة : 217 ( 3 ) مفردات الراغب حرف الحاء : 115