الشيخ محمد مهدي الآصفي

39

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

الذي يقرره القرآن : أن الناس كل الناس كانوا على هدى التوحيد بالفطرة ، ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله تعالى فيهم النبيين والمرسلين مبشرين ومنذرين . يقول تعالى : ( وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ) « 1 » . ويقول تعالى : ( كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) « 2 » . إذن البيت الأول في التاريخ هو ( بيت التوحيد ) ، ولما اختلف الناس وانشقّوا عن التوحيد أقاموا لأنفسهم بيتاً بديلًا ، بدلًا عن البيت الذي أقامه الله تعالى لهم . فكان هذا البيت الثاني متأخّراً عن البيت الأول ، وانشقاقاً على البيت الأول ، وخروجاً على أصوله وقيمه وأحكامه . الصراع بين البيتين : ومنذ أن انشقَّ البيت الثاني عن البيت الأول استقر بينهما الصراع إلى اليوم ، ولا يزال الصراع قائماً بينهما ، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا . والصراع بين هذين البيتين من حتميات التاريخ ، ورغم كل شراسَة الشرك في ضرب قلاع التوحيد ، فإن بيت التوحيد بيت مقاوم وصعب ، وبيت الشرك بيت موهون وضعيف كبيت العنكبوت ، يتخذه العنكبوت ليكون لها وقاية وأمناً ، فتمزقه الرياح وتبدده ( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) . « 3 »

--> ( 1 ) يونس : 19 ( 2 ) البقرة : 213 ( 3 ) العنكبوت : 40