الشيخ محمد مهدي الآصفي

38

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

يقول تعالى : ( ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) « 1 » ويقول تعالى : ( وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا ) « 2 » وهذه البراءة الواحدة تجعلهم صفاً واحداً كتلة واحدة ، كلما اقتضى الأمر ، في مواجهة الأمّة المسلمة ، وتكسبهم بذلك حالة الولاء الواحدة ، فتكون عندئذ كما قال ربنا : ( بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) و ( بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) . فالذين كفروا ، إذن رغم كلّ الصراع والخلاف المنتشر بينهم أمة واحدة ، وأسرة واحدة ، وكتلة واحدة في مواجهة الذين آمنوا ، ولنقرأ بيان هذه الحقيقة الخطيرة من كتاب الله : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) « 3 » . وفي سورة الأنفال : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) . إذن هناك في التاريخ بيتان ، وعلى وجه الأرض ( بيتان ) و ( أسرتان ) و ( جبهتان ) و ( انتماءان ) انتماء إلى الله ورسوله وإلى الذين آمنوا ، وهذا هو الانتماء الأول ، وله عمق وجذور ضاربة في التاريخ منذ إدريس ، ونوح ، وإبراهيم والامتداد الآخر انتماء إلى الذين كفروا ، وهذا هو الانتماء الثاني . وكل منهما ( بيت ) ، تحكمه علاقات البيت الواحد ، من حيث الولاء والبراءة . أيّ البيتين أَقدم ؟ إذا عرفنا أنّ هناك بيتين في التاريخ ، وعلى وجه الأرض ، فإنَّ من الطبيعي أن نتساءل أيّ البيتين أسبق وأَقدم في التاريخ . . . بيت التوحيد أم بيت الشرك ؟

--> ( 1 ) البقرة : 105 ( 2 ) البقرة : 217 ( 3 ) المائدة : 51