الشيخ محمد مهدي الآصفي
37
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )
الولاء بالفواصل المكانية والزمانية الشاسعة ولا باختلاف اللغات والألوان والدماء . ولوشيجة ( الولاء ) أصولها وأحكامها ومقوماتها . وهذه الوشيجة هي التي تحفظ أُسرة التوحيد من التفكّك والتفرق والتمزق ، والعقم والتعطيل في التاريخ . إلّا أنّ هذه العلاقة العضوية لا تخصّ أسرة التوحيد . . . فإن الذين كفروا ، في أنحاء الأرض وفي التاريخ أيضاً ، أسرة واحدة ، على وجه الأرض ، في مواجهة أسرة التوحيد ، رغم كل الخلاف الثقافي والسياسي والعسكري فيما بينهم ، داخل هذه الأُسرة . يقول تعالى في الوشيجة الحضارية داخل الأسرة الكافرة : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) ، ويقول تعالى عن حالة النفاق والمنافقين : ( الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) « 1 » ، ولا أعرف تعبيراً أدق في تصوير حالة الانتماء والعلاقة العضوية داخل هذه الأسرة من قوله تعالى : ( بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) وقوله تعالى : ( بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) وفي داخل هذه الأسرة الكبيرة أُسرٌ صغيرة أيضاً ( بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ ) على درجات مختلفة من القوة والضعف ، ولكن تبقى القاعدة الثابتة في كلّ الحالات ، وفي المجتمعات الصغيرة والمجتمع الكبير أنها بعضها من بعض . وليس معنى ذلك أن الأسرة الكافرة تابعة لمحور ولاء واحد ، فهي قد تكون ولاءات متعددة ، وصدق الله تعالى في التعبير عن هذه الحقيقة حيث يقول : ( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ) « 2 » فالذين كفروا لهم ولاءات عديدة ، إلا أنهم لهم براءة واحدة ، لا يختلفون فيها وهي البراءة من الذين آمنوا .
--> ( 1 ) ( 2 ) التوبة : 67 ( 2 ) البقرة : 257