الشيخ محمد مهدي الآصفي
28
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )
ونتساءل بعد ذلك لماذا ؟ « 1 » وهو سؤال هامّ يرتبط بسرّ من أسرار هذا الدين ، فإنّ هذا الدين يحرك الإنسان إلى الله تعالى ، ولكن من خلال الحضور في وسط الناس . . . وليس من داخل الكهوف والمغارات في أعالي الجبال . فالحج حركة إلى الله ، ولكن من خلال الانصهار في الناس ، والصلاة معراج كل مؤمن ، ولكن من خلال الجماعة ، وحتى الاعتكاف الذي هو نحو من الخلوة يتمّ في المسجد الحرام ، ومسجد النبي ( ص ) ، والمسجد الجامع في الكوفة ، والمسجد الجامع في أيّ بلد ، وليس في مساجد الصغيرة ، فنسأل مرة أخرى : لماذا لا تتم حركة الإنسان إلى الله في الحج إلّا من خلال الانصهار في الناس ، ومن خلال الحضور في وسط الناس ؟
--> ( 1 ) يوجد نوعان من الخلوات السلوكية : خلوات للتأمل والتفكير ، وهي خلوات مشروعة ، وقد كان رسول الله 9 يمارس هذه الخلوات قبل المبعث ، ولم يرد نهي في الشريعة عنها ، ولكنها محدودة . والنوع الثاني من الخلوات ، خلوات للعبادة ومجاهدة النفس وكفّ النفس عن شهواتها وأهوائها ، واعتزال الحياة الاجتماعية الحافلة بالمغريات والمزالق . . . وقد نهت الشريعة عن هذا النوع من الخلوات واعتبرتها من الرهبانية المحظورة في الإسلام . وقد روي أنّ رسول الله 9 جلس يوماً للناس ووصف يوم القيامة ولم يزدهم على التخويف ، فرقّ الناس ، وبكوا ، فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون ، واتفقوا على أن يصوموا النهار ، ويقوموا الليل ، ولا يقربوا النساء ، ولا الطيب ، ويلبسوا المسوح ، ويرفضوا الدينا ، ويسيحوا في الأرض ، ويترهّبوا ؛ فبلغ ذلك النبي ( ص ) . . . فأتى منزل عثمان ، فأخبرته زوجته بذلك ، فأتى هو وأصحابه إلى النبي ( ص ) ، فقال : إني لم أؤمر بذلك ، ثم قال : إنّ لأنفسكم عليكم حقاً ، فصوموا وأفطروا ، وقوموا وناموا ، فإني أصوم ، وأفطر ، وأقوم ، وأنام ، وآكل اللحم والدسم ، وآتي النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ، ثم جمع الناس ، فقال : ما بال قوم حرّموا النساء ، والطيب ، والنوم ، وشهوات الدنيا . . ، وأما أنا فلست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً ، إنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء واتخاذ الصوامع ، إنّ سياحة أمتي في الصوم ، ورهبانيتها في الجهاد . ( عوالي اللئالي 42 : 2 ) وفي رواية أخرى ، جاءت امرأة عثمان بن مظعون إلى النبي 9 فقالت : يا رسول الله ! إنّ عثمان يصوم النهار ، ويقوم الليل ، فخرج رسول الله مغضباً يحمل نعليه ، حتى جاء إلى عثمان ، فوجده يصلّي ، فانصرف عثمان حين رأى رسول الله 9 ، فقال له : يا عثمان ! لم يرسلني الله بالرهبانية ، ولكن بعثني بالحنيفية السهلة السمحة ، أصوم وأصلّي ، وألمس أهلي ، فمن أحبّ فطرتي فليستنّ بسنتي ، ومن سنتي النكاح . ( بحارالانوار 22 : 264 )