الشيخ محمد مهدي الآصفي

27

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

هذا البيت ، وفي هذا الموسم ، وأبلغ ما في ذلك تعبير القرآن عن بيت الله بأنه بيت الناس : ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ * فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) . « 1 » ومن عجب أنّ الله تعالى يخصّ الناس - عباده - بأول بيت ، وأشرف بيت ، ويعلن عنه أنه بيت للناس ، ثم يدعو الناس إليه : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) . وفي دعاء إبراهيم ( ع ) نجد أنّ إبراهيم ، خليل الرحمن ، عندما أودع أهله وذريته بهذا الوادي القاحل غير ذي زرع ، دعا الله تعالى أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم : ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) . « 2 » ونقرأ في سورة البقرة : ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ) . « 3 » فالبيت مثابة للناس ، يجتمع الناس حوله ، ويثوب إليه الناس ، ويجمع الناس من كل حدب وصوب ، ثم نقرأ أننا في سورة المائدة : ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ ) . « 4 » فالكعبة تقوّم حياة الناس ، وتَقوُم حياة الناس بها ، وعند الإفاضة يأمر الله تعالى عباده أن لا ينفرد بعضهم عن بعض في الإفاضة ، وإنما يفيض كل منهم من حيث أفاض الناس : ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ) . « 5 » إذن حضور جمهور الناس حول البيت ، وتواجدهم في الموسم ، وانصهار الفرد في البيت والحرم في وسط جمهور الناس ، شيء أساس في الحج ، في طريق حركة الإنسان ، في هذه الرحلة الإبراهيمية ، إلى الله تعالى .

--> ( 1 ) آل عمران : 96 - 97 ( 2 ) إبراهيم : 37 ( 3 ) البقرة : 125 ( 4 ) المائدة : 97 ( 5 ) البقرة : 199