الشيخ محمد مهدي الآصفي

26

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

أعلى إلى المطاف ، يرى حركة دائرية لجماهير الطائفين بصورة مستمرة ، وكأن أرض المسجد الحرام تطوف بهم حول البيت على شريط متحرك في حركة منظمة وهادئة ، أمّا إذا دخل في المطاف ، التقى بالوجه الآخر لهذه الحركة الإنسانية حول المحور الإلهي ، من المعاناة ، ومواجهة العقبات ، والمضايقات ، والتدافع ، وهو يختلف اختلافاً كبيراً عن الوجه الأول الهادئ والمريح . لماذا عبر الانصهار في الجماعة ؟ في هذه الرحلة نحن نفهم المنطلق والغاية في حركة الإنسان بصورة دقيقة ، فالمنطلق الذي ينطلق منه الإنسان هو تجاوز الأنا والذات ، ويعبّر الإحرام في الميقات عن هذا المنطلق . والغاية هي الحركة إلى الله تعالى ، وتوحيد الله تعالى ، ويرمز الطواف إلى هذه الغاية . ولكن الإنسان في الحج يصل إلى هذه الغاية عبر الانصهار في الجماعة المسلمة ، ومن دون الانصهار في الأُمّة المسلمة لا يمكن الوصول إلى هذه الغاية . إنّ التخطيط الإسلامي للحج يؤكّد على ضرورة حضور الأُمّة المسلمة ، وتواجدها في موسم الحج ، من كلّ فجّ عميق . ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) . « 1 » إنّ هذا الأذان ، والأمان الجمعي ، والدعوة الإلهية العامة للحج من قبل الله ورسوله ، والاستجابة ، والتلبية الجمعية من قبل الناس ، من كلّ فجّ عميق ، يشكل بالتأكيد بعداً هاماً من أبعاد الحج . وعندما نستعرض آيات الحج ، و ( الكعبة ) و ( البيت ) في القرآن ، منذ أن رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت ، نجد اهتماماً كبيراً بحضور جمهور الناس في

--> ( 1 ) الحج : 27