الشيخ محمد مهدي الآصفي
25
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )
استطاع الإنسان في المرحلة الأولى من هذه الرحلة أن يتخلص من جاذبية محور ( الأنا ) في حياته ، فإنّ المحور الإلهي يجذبه جذباً قوياً بطبيعة الحال إلى المحور الرباني . وانجذاب الإنسان إلى هذا المحور أمر طبيعي كامن في عمق فطرة الإنسان ، و ( الأنا ) هو الذي يحجز الإنسان عن هذه الجاذبية ، فإذا تحرّر الإنسان عن حاجز سلطان ( الأنا ) فإنّ الجاذبية الإلهية تجذبه و ( الطواف ) بعد الإحرام من الميقات يرمز لذلك . وعليه فإنّ حركة الطواف نقلة رمزية تعليمية في حياة الإنسان من الأنا إلى الله تعالى ، وتعبير رمزي عن التوحيد في حياة الإنسان المسلم ، إلّا أنّ هذا التوحيد ليس هو التوحيد النظري الذي يعرفه الناس ، وإنما هو توحيد العبودية لله ، وتوحيد الحبّ ، والولاء ، والاهتمام ، كما ترسمه الآية المباركة : ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) . « 1 » إنّ الطواف يرمز إلى الحركة الإنسانية الدائمة والمستمرة حول هذا المحور الإلهي في التاريخ ، وإننا لننظر من بعيد إلى حركة التاريخ ، فنرى : أنّ حركة التاريخ تجسّد ( التوحيد ) في حياة الإنسان ، وأنّ الأنبياء : وأممهم - إلّا في فترات قصيرة - يجسّدون هذه الحركة البشرية الدائمة حول محور الألوهية ، فنشعر بحركة واحدة متصلة متواصلة ، يتلقاها رسول من رسول ، ونبي عن نبي ، منسجمة وعلى صراط واحد ، هو صراط الله المستقيم ، ولكن عندما ندخل نحن ضمن هذه الحركة ، فسوف نواجه ألواناً من المضايقات ، والأذى ، والمشاكسات من الهوى في داخل أنفسنا ، ومن الطاغوت في المجتمع ، ومن شياطين الجن والإنس ، الذين يضايقون الناس في حركتهم إلى الله ، ومن التنافس ، والتنابذ ، والاختلاف ، والتقاطع داخل الحركة ، فيما بين المؤمنين أنفهسم . وحركة الطواف حول الكعبة تجسد هذا الواقع بالدقة . . . فإذا أطلّ الإنسان من
--> ( 1 ) الأنعام : 162 - 163