الشيخ محمد مهدي الآصفي

22

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

فجعل الله لهم من الحرم ( رقعة نموذجية ) للحياة الآمنة التي يريدها للناس بدعاء عبده وخليله إبراهيم ( ع ) ( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) . « 1 » وقد استجاب الله تعالى لدعاء عبده وخليله إبراهيم ( ع ) فقال : ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ) . « 2 » والمثابة ، المحل الذي يثوب ويرجع إليه الناس ، ويجمع الناس ، وقد جعل الله تعالى البيت مثابة للناس ، يجمع الناس ، ويرجعون إليه ، ويقصدونه من كلّ فجّ عميق ، ثم جعله آمناً يأمن فيه الناس بعضهم من بعض ، ولا يحذر فيه أحد الآخرين على نفسه ؛ يقول تعالى : ( أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً ) « 3 » ، وجعل رقعة الحرم رقعة نموذجية لساحة الحياة كلها ، كما جعل الشهر الذي يؤم فيه الحجاج البيت الحرام ، وهو ( ذو الحجة ) من الأشهر الحرم . يقول الله تعالى : ( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) . « 4 » وحتى ( الجدال ) الذي يتضمّن نوعاً من الصدام ، يحرمه الله تعالى على الحجاج ( فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ) . « 5 » والأمن في الحرم أمن شامل يشمل حتى الحيوان والنبات ، فلا يجوز الصيد في الحرم ، ولا يجوز قطع النباتات والأشجار فيه ، إلّا في حالات خاصة يذكرها الفقهاء ، وحرمة الصيد وقطع النباتات لاتخص حالة الإحرام ، فإنهما تحرمان على المحُرِم والمحُلّ معاً في منطقة الحرم . و ( الحرم ) في الإسلام عينة صغيرة لساحة الحياة كلها ، والذي يحبّ أن يعرف

--> ( 1 ) البقرة : 126 ( 2 ) البقرة : 125 ( 3 ) العنكبوت : 67 ( 4 ) آل عمران : 97 ( 5 ) البقرة : 197