الشيخ محمد مهدي الآصفي

14

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

وقبل أن يدخل الحاج الميقات يعيش كما يعيش سائر الناس متمايزين ، منفصلين ، ولل - ( أنا ) تمييز وتشخيص ، ولل - ( أنا ) تظاهر وبروز في حياتهم ، ولل - ( أنا ) سماته ومعالمه الواضحة في حياتهم ، فإذا دخل الميقات تضاءل ( الأنا ) ، وخفّ صراخه وصوته ، وفقد جملة من معالمه ومميّزاته ، وفقد لونه وصيغته الصارخة ؛ وهذا الانقلاب في الشخصية ينبغي أن يتم في ( الميقات ) ، ويرمز إلى هذا الانقلاب ( لباس الإحرام ) ، وقد قلنا إنّ الحج يعبر عن المعاني والمفاهيم التي ينطوي عليها بلغة الرمز . عند الميقات يتجرّد الحاج من كل ملابسه ، وما تحمله ملابسه من سمات شخصية ، وطبقية ، وقومية ، وإقليمية . إنّ لباس الإنسان يحمل هوية الإنسان ، ويحمل الإشارة إلى شخصية الإنسان وانتمائه القومي ، والإقليمي ، والعشائري ، وطبقته ، ومهنته ، ودرجته في الثراء والفقر ، والمستوى الاجتماعي . فإذا بلغ الحاج الميقات تجرّد عن ملابسه ، ولبس ثياب الإحرام إزاراً ورداء . . . قطعتين من القماش ، لم يستعمل فيهما الخيط كالآخرين ، على نحو سواء ، في غير بذخ ، ولا ترف ، ولا تمييز ، وخلع عن نفسه ملابسه التي كانت تحمل هويته ، وتعبر عن شخصيته ؛ إنّ هذه الخطوة الأولى في الميقات تعبّر عن تجرّد الإنسان عن هويته ، وشخصيته ، وأنانيته ، وعن عبور الذات وتجاوز ( الأنا ) . وكما يُجرّد الميّت عن ملابسه ، لأنّ دور الأنا في حياته قد انتهى ، ولم‌يعد للأنا حجم ولا دور ، لا شكل في المرحلة الجديدة من حياته ، كذلك الميقات ، يتجرد فيها الحاج عن هويته وذاتيته ، وكأنّ الميقات مصفاة ، وأول شيء تأخذه هذه المصفاة من الإنسان هو ذاته ، فإذا تجرد عن الأنا ، وانسلخ عن ذاته أو حاول ذلك ، حقَّ له أن يتجاوز الميقات إلى الحرم ، وما لم يتخلّص الإنسان عن ذاته ، فلا يتمكّن أن يواصل الرحلة إلى لقاء الله . . . فإذا خلص في هذه المصفاة من ثقل الذات اجتاز