الشيخ محمد مهدي الآصفي

126

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

وعزم وإرادة . ولم يمنعها هذا السعي - ولو للحظة واحدة - عن الانقطاع إلى الله ، ولم يحجبها ولو للحظة واحدة عنه تعالى ، فقد كان سعيها في امتداد انقطاعها إلى الله ودعائها ، ودعاؤها مبدء سعيها وحركتها إلى الماء ، ومَن منّا يقدر على ذلك ؟ والملائكة يومئذ ينظرون إليها ، ويعجبون منها ، كيف استطاعت أن تنقطع إلى الله هذا الانقطاع ؟ وكيف تمكنت أن تسعى إلى الماء ، وهي مثقلة بالمتاعب والمحن هذا السعي ؟ وكيف استطاعت أن تجمع بين السعي والانقطاع إلى الله بمثل هذا الجمع ؟ فيضجون إلى الله - تعالى - أن يستجيب لدعائها وسعيها ، وأن يستنزل سعيها ودعاؤها رحمةَ الله - تعالى - ، وتقرب رحمة الله منها ، حتى تكاد أن تنطبق السماء على الأرض . لقد صعد يومئذ عمود من الدعاء ، والسعي من الأرض إلى السماء ، ونزل عمود من الرحمة من السماء إلى الأرض ، واتّصلت الأرض بالسماء ، والسماء بالأرض ، وحشود الملائكة يشهدون هذا المشهد الفريدالذي لم يشهده يومئذ غيره تعالى وغيرها وغيرهم ، ويضجون إلى الله تعالى ، ويتضرعون أن يستجيب لدعائها وسعيها ، فيحدث ما ليس بالبال ولا الخيال ، وتنفجر الأرض تحت أقدام الرضيع ماءً بارداً زلالًا شفافاً هنيئاً مباركاً . وسبحان الله ، والحمد لله ، لقد استجاب الله لسعيها ودعائها ، ولكن لا حيث سعت ، وإنّما تحت أقدام الرضيع ، الذي كان يضرب بيديه ورجليه ظمأً يومذاك ، ليعلمها الله أنه تعالى هو وحده الذي رزقها هذا البارد العذب ، في هذه الرمضاء ، وفي هذا الهجير ، وليست هي التي حققت ذلك بسعيها وحركتها . . . وإن كان لابد لها