الشيخ محمد مهدي الآصفي

108

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

إنّها سنة الله في كل موضع للفقر والغنى ، والضعف والقوة ، وهي سنة الله - تعالى - في علاقته بفقر عباده وعجزهم وضعفهم وحاجتهم حتى من غير سؤال وطلب ودعاء ، ومن غير وعي منهم لحاجتهم وفقرهم . إنّ هذه العلاقة من أسرار هذا الدين ، ومن أسرار هذا الكون وقوانينه ، وما لم يفهم الإنسان هذا القانون في الكون ، وفي علاقة الإنسان بالله تعالى لا يستطيع أن يدرك طائفة واسعة من معارف هذا الدين وأسراره . وكم من مريض تماثل للشفاء برحمة الله من غير سؤال ( وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) « 1 » وكم من فقير جائع رزقه الله - تعالى - ، وأطعمه من جوع من غير سؤال ولا دعاء ، وكم من مضطر في لجج البحار ، أو تحت الانقاض ، أو تحت طائل السيوف أو في وسط الحريق أدركته رحمة الله - تعالى - وأنقذته من غير سؤال ولادعاء ، وكم من ظمآن بلغ به الظماء مبلغاً استنفذ مقاومته ، فأدركته رحمة الله - تعالى - وأروته من غير سؤال ولا طلب ؛ وكم من إنسان واجه الأخطار ، وكان قاب قوسين منها ، وهو يعلم أولا يعلم ، فجاءه ( ستر الله ) فأنقذه منها ؛ وكم من إنسان وصل إلى طريق مسدود في حياته ففتح الله - تعالى - عليه ألف طريق وطريق ، وكلّ ذلك من غير سؤال ولا طلب ولا دعاء ، بل دون أن يعرف صاحبُه الله ، فيمن لا يعرف الله من خلقه ، فضلًا من أن يعرفه فلا يطلب منه ، وكم من رضيع تدركه رحمة الله - تعالى - دون أن يطلب من الله ، ودون أن يسأل الله تعالى ، ويقدر على ذلك « 2 » .

--> ( 1 ) الشعراء : 80 ( 2 ) وهذا لا يعني أن الناس لا يموتون تحت الانقاض في الزلازل ، ولا يحترقون في الحرائق ، ولا يهلكون في لجج البحار ، ولا يموت إنسان من المرض والألم ولا يموت طفل رضيع . فقد صمّم الله تعالى هذا الكون بموجب ( الرحمة ) و ( الحكمة ) ، فإذا كانت حكمة الله تقتضي وقوع كارثة في إنسان أو حيوان أو نبات ، فلا يعني ذلك أن ننفي البعد الآخر من فضل الله - تعالى - وصفاته الحسنى ، وهو الرحمة ؛ ولهذا الموضوع شرح وبسط ليس هذا محله .