الشيخ السبحاني
87
فتنة التكفير ، جذورها وآثارها في المجتمع
الأوّل : المراد من الرفع هو البناء بشهادة قوله تعالى : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها . « 1 » الثاني : المراد تعظيمها والرفع من مقدارها ، قال الزمخشري : ترفعها إمّا بناؤها فأمر الله أن تبنى ، وإمّا تعظيمها ، والرفع من قدرها . « 2 » أقول : لا يخفى أنّ المراد من رفع البيوت ليس إنشاؤها ؛ وذلك لأنّ المفروض أنّ الآية المباركة تتحدّث عن بيوت مبنيّة ، وعلى كلّ تقدير فهذه البيوت يجب إعمارها وصيانتها من الاندثار ، على التفسير الأوّل ، وذلك إكراماً منه سبحانه لأصحابها ، أو صيانتها ممّا لا يلائم قداستها على التفسير الثاني ، وعلى هذا فهدم هذه البيوت يضاد ترفيعها بناءً وقداسة ، وإذا ثبت الحكم في هذه البيوت التي تضمّنت الأجساد المقدّسة يثبت الحكم في سائر المراقد بعدم القول بالفصل بينهما . الثاني : صيانة الآثار ومودّة القربى دلّت الآيات والروايات على لزوم مودّة الرسول الأكرم ( ص ) وأهل بيته الطاهرين ، قال سبحانه : قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ . « 3 » تشير الآية إلى معيار دقيق وهو أنّ المؤمن الحقيقي الذي عجن الإيمان بدمه ولحمه وجميع مشاعره ، هو الذي يقدّم حُبّه لله ولرسوله والجهاد في سبيله على جميع العلاقات والروابط التي تحيط به من الأهل والأرحام والأموال والعقارات ، والتجارة والمعاملات . وفي آية أُخرى تعدّ المودّة في القربى كأجر للرسالة قال تعالى : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى « 4 » .
--> ( 1 ) . النازعات ، آية 27 - 28 . ( 2 ) . الزمخشري ، الكشّاف ، ج 3 ، ص 242 ، بتصرّف يسير ؛ القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ج 2 ، ص 226 . ( 3 ) . التوبة ، آية 24 . ( 4 ) . الشورى ، آية 23 .