الشيخ السبحاني
102
فتنة التكفير ، جذورها وآثارها في المجتمع
3 . علم الأئمة بالغيب لاشكّ أنّ العلم بالغيب علماً ذاتياً غير مكتسب وغير محدّد بحدٍّ ، يختصّ بالله سبحانه ، ولكن لا مانع من أن يُعلِّم سبحانه شيئاً من الغيب لبعض أوليائه فيخبر عن الملاحم لأجل كونهم محدَّثين ، والمحدَّث يسمع صوت الملك ولا يراه ، وهو ليس أمراً بدعيّاً في مجال العقيدة ، فقد رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ، قال النبي ( ص ) : « لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء . . . » « 1 » ) . وقد تضافرت الروايات عن النبي ( ص ) في حقّ المحدّثين ، فأئمة أهل البيت عند الشيعة من المحدَّثين ، فأي إشكال في ذلك ؟ ! وهل هو يوجب مشاركتهم الله في علم الغيب ؟ ! وأين العلم بالغيب مكتسباً من الله محدوداً بحدّ خاص ، من علمه الواسع غير المكتسب ولا المحدود ؟ ! 4 . التقيّة من المسلم وممّا يخطِّئون به الشيعة هو تقيّتهم من المخالف المسلم ، بناءً على اختصاص التقية بالكافر مع أنّه أمر صرّح بجوازه غير واحد من أئمة السنّة . قال الرازي في تفسير قوله سبحانه : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً « 2 » : ظاهر الآية على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين ، إلّا أنّ مذهب الشافعي أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقيّة محاماة عن النفس . « 3 » وقال ابن الوزير اليمانيّ « 4 » في كتابه « إيثار الحقّ على الخلق » ما هذا نصّه : وزاد الحقّ غموضاً وخفاءً أمران : أحدهما : خوف العارفين - مع قلّتهم - من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن ، وإجماع أهل الإسلام ، وما
--> ( 1 ) . البخاري ، صحيح البخاري ، ج 5 ، ص 12 ، باب مناقب المهاجري فضلهم . ( 2 ) . آل عمران ، آية 28 . ( 3 ) . مفاتيح الغيب ، ج 8 ، ص 13 . ( 4 ) . أبو عبد الله بن إبراهيم بن علي بن المرتضى الحسني ( المتوفّى 840 ه - ) . أثنى عليه الشوكاني ، ونعته بالمجتهد المطلق ، ثم قال : وكلامه لا يشبه كلام أهل عصره وكلام من بعده ، بل هو من نمط كلام ابن حزم وابن تيميّة . ( الشوكاني ، البدر الطالع ، ج 2 ، ص 91 برقم 561 . )