السيد علي الشهرستاني

48

وضوء النبي ( ص ) من خلال ملابسات التشريع

غاية الأهميّة ، مع ما قيل عن شدّتهما في إيصال وتعليم الأحكام الشرعيّة إلى المسلمين ؟ ! وإذا سلّمنا أنَّ حروب الردّة ، وفتح العراق والبحرين وغيرها قد شغلت أبا بكر عن الاهتمام ببعض مسائل الشريعة ، فهذا ما لا يمكن التسليم به بالنسبة إلى الخليفة الثاني ، الذي نقل عنه بأنّه كان يحمل درّته ويدور في الأسواق والشوارع والأزقّة ، ليصلح ما قد يرى من فساد اجتماعيّ ، وليعلّم الناس ما يُفترض أن يتعلموه من أحكام وآداب وسنن ، وكان يهتمّ أيّما اهتمام بمسائل الفقه فيحلّها ، وإذا استعصت عليه بعض المسائل ، نراه يجمع كبار الصحابة ويستشيرهم ، ويبحث معهم تلك المسألة ، ثمّ يخرج بالنتيجة الفقهيّة المتوخاة من البحث ، فتراه يطرح البحوث العلميّة الفقهيّة على الصحابة ممّن عاصروه ، أمثال : عليّ بن أبي طالب ، وعبد اللَّه بن عبّاس ، والزبير ، وطلحة ، وعبد اللَّه بن مسعود ، وغيرهم من كبار الصحابة . فإذا كان ثمّة اختلاف أو إبهام في الوضوء في الصدر الأوّل . . فَلِمَ لَمْ تطرق هذه المسألة المهمّة مجالس أُولئك الصحابة ؟ ! إنّ هذا لَيؤكّد بوضوح استقرار المسلمين في الوضوء أثناء تلك المرحلة الزمنيّة من الإسلام . . بل المسألة كانت من البداهة والشيوع بحيث أصبحت من أوّليّات الرسالة المحمّديّة ومسلّماتها التي عرفها الجميع بما ينبغي ، دون أدنى شكّ أو ترديد أو التباس . ومن الواضح أنَّ الصحابي الذي لا يعرف الوضوء ، أو تراه يسأل عن كيفيّته ، يُعَدّ متهاوناً ومتساهلًا في الدين ، بل ويكشف سؤاله عن التشكيك في صلاته وعباداته ، وأنَّه مُدَّعٍ للصحبة ليس إلّا ، إذ كيف يُعقل أن يصاحب رجلٌ النبيّ ، وهو لا يعرف وضوءه ولا أُصول دينه وفروعه وآدابه وسننه وواجباته مع كون النبيّ قد عاش بين ظهرانيهم ثلاثاً وعشرين سنة !