السيد علي الشهرستاني
57
وضوء النبي ( ص )
فاستحسن منه ذلك ، فقال : أيفخّم رسول اللَّه ( ص ) عمّه وأرخّص في الاستخفاف به ! لقد خالف رسول اللَّه ( ص ) من فعل ذلك ورضي به « 1 » . فكيف بنا نوفّق بين غيرة الخليفة على الدين ، وشدّة محافظته على احترام عمّ النبيّ ( ص ) - لأنّه رأى النبيّ ( ص ) يعظّمه ويفخّمه - الّتي جعلته يحكم بأنّ الفاعل للاستخفاف ، والراضي به ، مخالف للرسول ( ص ) . وبين ما نراه يفعل بالوضوء ؟ ! فكيف بمن خالف أمرا دأب عليه رسول اللَّه ( ص ) ثلاثا وعشرين سنة من عمره الشريف ، وأكّد عليه مرارا وتكرارا ، وبلّغ عن ربّه أنّه نصف الإيمان ، وأنّ الصلاة موقوفة عليه ؟ مع ضخامة المخالفة ، فالخليفة الثالث لم يتّخذ أيّ إجراء حاسم ضد من توضّأ بخلاف ما هو عليه ، على الرغم من أنّ هذه المعارضة الوضوئيّة كانت حديثا شائعا قد اندلعت ضدّه ، لقوله ( انّ ناسا يتحدّثون . . [ 1 ] ) ! نعم ، أنّه لم يتّخذ نفس الموقف الذي اتّخذه الخليفة الأوّل في تحشيد المسلمين ضدّ مانعي الزكاة ، ثمّ مقاتلتهم بلا هوادة ، حتى نسبوا إلى الارتداد والخروج عن الدين . فعادوا صاغرين لأداء الزكاة - رغبة أو رهبة - وتسليمها للخليفة الأوّل ، وذلك بعد أن أفهم أبو بكر المسلمين رأيه في ذلك ، وقف الكثير منهم إلى جانبه ، على الرغم ما لبعضهم ك [ مالك بن نويرة ] من إذن من النبيّ ( ص ) في أخذ الزكاة والصدقات وتوزيعها على محتاجي قومه ومعوزيهم . وإذا توغّلنا في التاريخ بعين فاحصة فسنجد حتّى خاصّة عثمان ومؤيّديه في حكومته ، كزيد بن ثابت ، لم يتجرّؤوا أن ينقلوا وضوءات تشبه وضوء خليفتهم !
--> [ 1 ] وبهذا نعرف أنّ الخليفة لم يستنصر المسلمين استنصارا عامّا - كما هو المتوقّع - بل استنصر أفرادا واختصّ بهم ، شأن من يبذر فكرة جديدة ويريد الاستنصار له ، فالإشهاد هنا يختلف عن الاشهاد في الملإ العامّ ، وأنّ الاستنصار الجزئي يختلف عن الاستنصار العامّ الشامل ! ! ( 1 ) تاريخ الطبريّ 4 : 400 ، الكامل في التاريخ 3 : 182 .