السيد جعفر مرتضى العاملي
84
صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )
وكان بدء الوحي في غار حِراء « 1 » ، وكان ( ص ) يتعبّد في حِراء هذا ، على النّحو الّذي ثبتت له مشروعيّتهُ ، وكان قبل ذلك يتعبّد فيه عبدالمطّلب . وأوّل ما نزل عليه ( ص ) هو قوله تعالى : « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ » . « 2 » وهذا هو المروي عن أهل البيت ( ع ) « 3 » وروي أيضاً عن غيرهم بكثرة . « 4 » فرجع ( ص ) إلى أهله مستبشراً مسروراً بما أكرمه الله به ، مطمئناً إلى المهمّة الّتي أوكلت إليه ، فشاركه أهله في السّرور وأسلموا ، وقد روي هذا المعنى عن أهل البيت ( ع ) ، فعن زرارة أنّه سئل الإمام الصّادق ( ع ) : كيف لم يخف رسول الله ( ص ) فيما يأتيه من قِبَل الله : أن يكون مما ينزع به الشّيطان ؟ فقال : « إنّ الله إذا اتّخذ عبداً رسولًا ، أنزل عليه السّكينة والوقار ، فكان الّذي يأتيه من قِبل الله مثل الّذي يراه بعينه » . « 5 »
--> ( 1 ) 1 . هو جبل على ثلاثة أميال من مكّة ويقال : هو جبل فاران ، الّذي ورد ذكره في التوراة إلّا أنّ الظّاهر هو أنّ فاران اسم لجبال مكّة ، كما صرّح به ياقوت الحموي ، لا لخصوص حِراء ( 2 ) 2 . الآيتان 1 و 2 من سورة العلق وراجع تفسير البرهان ( 3 ) 3 . تفسير البرهان ، ج 1 ، ص 29 ( 4 ) 4 . راجع : الدرّ المنثور ، ج 6 ، ص 368 والاتقان ، ج 1 ، ص 23 . وربّما يقال : إنّ أوّل ما نزل عليه ( ص ) هو فاتحة الكتاب ( الدرّ المنثور ، ج 1 ، ص 24 ) ولا سيّما بملاحظة أنّه ( ص ) قد صلّى في اليوم الثّاني هو ( ص ) وعلي ( ع ) وخديجة ( ع ) حسب ما ورد في الرّوايات . ولكن من الواضح أنّ ذلك لا يثبت شيئاً ؛ إذ يمكن أن تنزل الفاتحة بعد سورة إقرأ بلا فصل ، ثم يصلّي ويقرؤها في صلاته ؛ كما أنّ من الممكن أن تكون صلاتهم آنئذٍ غير مشملة على فاتحة الكتاب ، ثمّ وجبت بعد ذلك وإن كان لم يذكر ذلك أحدٌ . أمّا قوله عن الّذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب : لا صلاة له ( الوسائل ، ج 4 ، ص 723 ) وقوله ( ص ) : كلّ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ، فهي خِداج ( الخداج : النقصان ) « المصدر المتقدم ، ص 733 » فهو لا ينافي ذلك ؛ إذ يمكن أن يكون ذلك تشريعاً حادثاً بعد ذلك . هذا كلّه عدا عن أنّهم يروون : أنّ سورة الفاتحة قد نزلت بعد المدّثر ( الاتقان ، ج 1 ، ص 24 ) أي بعد عدّة سنوات من البعثة ( 5 ) 5 . التمهيد في علوم القرآن ، ج 1 ، ص 49 عن العيّاشي ، ج 2 ، ص 201 ، والبحار ، ج 18 ص 262 .